الموظف اللبناني الأول في المصارف

يروي نقولا زياده، في كتاب “لبنانيّات: تاريخ وصور” أن افتتاح المصرف الأول في بيروت حصل في 16 تشرين الأول 1856، وهو فرع للبنك العثماني (الصورة). ويستعيد زياده كتاب “سنتان في سوريا” الذي ألّفه ج. لويس فارلي، ونشره في 1859، ليرسم الملامح التجارية لبيروت. فيأخذنا في رحلة تبدأ في أسواق المدينة، حيث “يجد الأوروبي جميع ما يحتاج إليه”.

ففي بيروت، التي “تتمتّع بدرجة كبيرة من الأمن”، “تتوافر أنواع اللحوم والطيور والأسماك والخضار والفواكه، على اختلاف أنواعها. والفستق الحلبي يأتيها من حلب، والبطيخ يُحمل إليها من ميناء يافا”.

وفيما “كانت العملةُ الرسمية، في البلاد، هي نقدُ الدولة العثمانية، وأساسه الليرة الذهبية العثمانية… كانت أسعار العملات الأجنبية، أمراً يعرفه التجّار من اتصالاتهم، وعبر أعمالهم… والواقع أنّ سوق بيروت كانت تتعامل بنوعين من النقد الأجنبي، هما: الجنيه الاسترليني والفرنك الفرنسي. وكان الجنيه يُحسب بـ120 قرشاً (تركيّاً). إلاّ أنّ هذا السعر كان قليلاً، ومدى التقلّب كان بين 117 و121 قرشاً. أمّا الفرنك الفرنسي، فقد كان يساوي أقل من خمسة قروش بقليل”.

وكانت بيروت “تستورد من البحر وتبعث بما يأتيها إلى الداخل الشامي. ولم تكن وحيدة في هذا الوضع في لبنان. فطرابلس وصيدا وصور كانت تقوم بمثل هذا الأمر أيضاً، لكن بيروت كانت الأهم والأكبر. فمن بيروت كانت تُرسل أشياء كثيرة، مصنوعة وخاماً، بعد أن تكون قد وصلتها من الداخل- من المدن اللبنانية ومن دمشق وحتّى من الأردن”.

و”يبدو أنه لم يكن ثمة صعوبة في التفاهم بين تجّار بيروت والتجار الأجانب. يقول فارلي إن أكثر التجّار المعتبرين في بيروت، يتكلّمون إمّا الإنكليزية أو الإيطالية. وهناك من يستطيع التكلّم حتى بالإنكليزية”.

ويحدّثنا زياده- فارلي أن “المصرف بدأ أعماله بثلاثة موظّفين بريطانيين، هم (م) الموظف الرئيسي ويحمل لقب مدير المصرف، و(ب) المسؤول عن الحسابات الجارية. أمّا الثالث فهو فارلي، الذي كان كبير المحاسبين. وكان موظف محلي يساعد (ب). وعند فارلي “مساعدان محليّان، يحسنان التعاون” معه. ويصف فارلي مساعده الأول، بشارة آدم، بـ”شعلة ذكاء ونشيط جدّاً في عمله”.

وتتوقف رحلة زياده- فارلي عند “أهميّة السوق البيروتية” التي تستوعب تأسيس “مصرف ثانٍ وثالث، لأن السوق تحتاج إلى ذلك”، انطلاقاً من قاعدة أن “المصرف يصبح أمراً ضروريّاً، عندما تنمو التجارة، وتزداد العلاقات التجاريّة، بين مكان ما وأمكنة أخرى في العالم”. ولهذا كان فرع المصرف العثماني في بيروت “أول مصرف تجاري في المشرق العربي”.

(ملف المصارف من إعداد حسان الزين)


Leave a Reply

Your email address will not be published.