مستشفى صور الميداني وفيدرالية التحاصص السياسي

الجنوب

كشف وباء كوفيد-19 المستمر انتشاراً في لبنان منذ نحو السنة هشاشة القطاع الصحي والاستشفائي تحديداً. فالارتفاع المتزايد للمصابين بفيروس كورونا زاد من الطين بلّة، لا المستشفيات عادت قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى، ولا الحلول لهذه المشكلة متوافرة. وأزاء ذلك، زوّدت دولة قطر لبنان بمستشفيين ميدانيين، واحد خصص لمنطقة الشمال وآخر لمنطقة الجنوب.

وإذا كان المستشفى الميداني في الشمال أخذ طريقه إلى التركيب في نهاية 2020، عبر إلحاقه بمستشفى “سير الضنية” الحكومي، فإنّ المستشفى المخصّص للجنوب ما زال عالقاً بين طرفي كماشة السياسة الجنوبية المتحكم بها الثنائي حركة أمل وحزب الله. ولم يتم بت مصيره لغاية اليوم، على الرغم من انقضاء أكثر من ثلاثة أشهر على وصوله إلى لبنان وركنه في أقبية المدينة الرياضية في بيروت. وهو ما زال بين أخذ ورد وخلاف حول المكان الذي يجب أن يكون فيه. وآخر كلام في هذا الموضوع، هو ما نُقل عن رئيس مجلس النواب نبيه بري بنقله إلى بيروت وإلحاقه بأحد المستشفيات فيها، تحت ذريعة أن بيروت بحاجة إليه نتيجة تزايد أعداد المصابين ووجود مستشفيات قادرة على تشغيله أو تتبيعه لها.

والمستشفى الميداني في حال تشغيله هو بحاجة إلى كادر من نحو ١٥٠٠ موظف وطبيب وممرّض، والأموال غير متاحة حالياً نتيجة الأزمة المالية للدولة اللبنانية. والنقص الحاصل في الجنوب سيُسدّ من خلال مستشفى قانا الحكومي الذي يعمل على دعمه وتمكينه. وكذلك مستشفى حمود في صيدا الذي جُهِّز لاستقبال مرضى كورونا، إضافة إلى المستشفى التركي المجهز والذي كان سابقا مُختلفاً عليه إذ سعى تيار المستقبل للهيمنة عليه تجهيزاً وتوظيفاً، سياسياً وزبائنياً.

وبحسب المطلعين، إنّ خلافاً نشب بين حركة أمل وحزب الله في شأن موقع تركيب المستشفى، إذ انطلق كل منهما من حسابات حزبية وزبائنية. ونتيجة الخلاف “طار” المستشفى. وأُخرج السيناريو بأن يُعلن وزير الصحة حمد حسن (حزب الله) أن الرئيس بري طلب أن “تُمنح” مكوّنات المستشفى القطري لمستشفى بيروت الحكومي. وبذلك يتجاوز الريقان السياسيّان فصل السلطات ، إذ ما علاقة رئيس السلطة التشريعيّة بوزارة الصحة وهي من السلطة التنفيذية؟ لكنّ الأمر هنا خارج الدولة، وبين قوى سياسية.

وقد أكد رئيس اتحاد بلديات قضاء صور حسن دبوق (أمل)، في بيان، قرار بري نقل المستشفى، مكرراً ذريعة عدم وجود مكان ملائم له وحاجة المستشفى إلى تجهيزات تقدّر بمليارات الليرات، وعدم قدرة الاتحاد على تحمّلها. ولفت إلى أنّ مستشفى قانا الحكومي سيسد النقص الحاصل”.

وإذا كانت الصحة هي ركن أساسي من أركان الحماية الاجتماعية، فإنّها في لبنان خاضعة للقوى السياسية، تتحكم فيها، وتختلف عليها، ضاربة بعرض الحائط حقوق اللبنانيين وصحتهم، معتبرة أنها جزء لا يتجزأ من تعاملها الزبائني في طريقة تعاملها معهم، كما في كل أنواع الخدمات الطبيعية التي هي حق لهم. وهذا المشهد اليوم لا يختلف عن مشهد المستشفى التركي في صيدا، بالأمس، أو عن غيرها من الحالات في عدد من المناطق. إنّها فيدرالية التحاصص السياسي والتحكم بالناس في طول البلاد وعرضها.

وفي المواقف، رفض الحزب الشيوعي اللبناني في صور، نقل المستشفى “من قبل سلطتي الأمر الواقع إلى بيروت”. واعتبر أن “هكذا قرارات جائرة بحق أهلنا في صور ومنطقتها تُدخلنا جميعاً في نفق الموت وسنشهد أهلنا وشبابنا وأطفالنا ونساءنا وشيوخنا ومحبينا يموتون على الطرقات وعلى ابواب المستشفيات، لانه لا يوجد سرير عناية طبية أو مكينة أوكسجين تستطيع تأمين الهواء لهم”. ودعا إلى “التراجع الفوري عن هكذا قرارات والضغط على هذه السلطة لإبقاء المستشفى الميداني في صور وتجهيزه بما يلزم”.

ودانت منظمة العمل الشيوعي فرع صور “حرمان مدينة صور وجوارها من بناء مستشفى ميداني سريع يلبي الاحتياجات الطبية الماسة في هدا الظرف العصيب نتيجة عمليات التقاسم والتحاصص الحزبي والفئوي الزبائني”. وفي الوقت نفسه، سجّلت المنظمة “إيجاباً الإفراج عن المعدات ومحتويات هذه الهبة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *