احتراف السياسة ضرورة

حسان الزين

أكثر ما يحتاج إليه الاعتراض، وقواه وحالاته، هو احتراف السياسة.

الاعتراض في لبنان، اليوم، ردُّ فعل وشعارات أكثر مما هو سياسة.

لهذا، يقع كثيرون، من “ثوار 17 تشرين”، فريسة الإحباط، لا سيما حين يرون الساحات قد فرغت وتراجعت الاستجابة لدعوات النزول إلى الشارع ومواصلة ما انفجر في 17 تشرين الأول 2019. ويفرحون ويأملون حين يرون أي تحرك في الشارع.

ويتنامى الإحباط حين يُرى أن لا شيء قد حُلّ، وأن “المنظومة” ما زالت تمارس السياسة نفسها.

ويصل إلى ذروته حين يجد “الثوّار” أن الساحات والمجموعات لم تتوحّد ولم تنتج إطاراً وبرنامج عمل.

وهنا، يُطعن في “الثورة” و”الثوار” ويُفتح بابٌ تستغله السلطة للتشكيك في صدقية “الثورة” و”الثوّار” وجدوى التحرك والمشاركة. ويُستسهل تكرار الحكم بأن هذا البلد لا يتغيّر.

لكنّ الموضوع أعقد من ذلك. هو ليس توحيد الثوار، ولا البقاء في الشوارع والساحات أو التحسّر على فراغهما.

الموضوع هو الشروع في عمليّة الانتقال من الاعتراض إلى المعارضة، وضرورة ذلك لقوى الاعتراض وحالاته وللبلد على حد سواء.

ومن شروط هذه العملية الطويلة والمعقّدة احتراف السياسة.

واحتراف السياسة، في حالتنا، يشترط تخفيف الشعارات والأيديولوجيّات والحزبويّات والأحكام الجاهزة التي تتحكم في نظرة “الثوار” إلى بناء أي إطار سياسي.

ويشترط أيضاً تقديم قراءة الواقع ومتابعته بأدوات فكريّة وسياسية جديدة وديناميكية.

على أن يترافق ذلك مع ورشة تحديد أولويّات. وليس لزاماً أن تكون الأولويات جامعةً. بل أن تتفق كل مجموعة أو كل كتلة مجموعات على أولويّات وتصوغ برنامجها. مع الحرص على الحوار لحياكة شبكة واسعة من التحالفات التي تحفظ التعدد والأدوار للمجموعات والأفراد.

فتحديد الأولويات انطلاقاً من السياسة والواقع لا من الشعارات والأيديولوجيّات والحزبويّات والأحكام الجاهزة، هو المدخل لبلورة أي مجموعة أو تحالف، وليس العكس. وهو المدخل للعمل السياسي، وهو الحجر الأساس لبناء معارضة وتجاوز الاعتراض ورد الفعل.

وليطرح كل إطار أولويّاته، وليعمل من أجلها.

ما المشكلة؟ هذا ضروري وصحّي، وهو امتحان سياسي وتمرين ديمقراطي يسهمان في بناء معارضة، ويُعيدان الحيوية إلى السياسة التي صحّرتها المنظومة وسمّمتها بخطاباتها وغيرت أولوياتها فجعلتها لخدمتها لا لمصلحة المواطن والمجتمع وبناء الدولة والاقتصاد.

(الصورة من طرابلس: فضل عيتاني)

Leave a Reply

Your email address will not be published.