معاً لمواجهة تهميش طرابلس واستباحتها

أصدر عدد من أبناء طرابلس وأهلها المقيمين والمغتربين والعاملين فيها، بياناً يتناول ما يجري في طرابلس من منظار أوسع من القراءات السطحية والاستهلاكية، التي غالباً ما تخضع لحسابات سياسية راهنة. ويعرّف الموقّعون على البيان أنفسهم بأنهم “خارج الأجندات السياسية لأطراف السلطة وصراعاتهم وخارج تجاذبات الأجهزة المتعددة، وبعيدون كل البعد عن نظريات المؤامرة التبسيطية التي لا تريد الاعتراف بعمق الأزمة وطابعها المزمن والخطير”.

ننشر البيان كاملاً لأهميّته:

إنَّ ما شهدته المدينة من أحداثٍ في الأيام الماضية أدى للأسف إلى فاجعة سقوط شهيدين وجرح المئات من شباب المدينة المطالبين بالحد الأدنى لحقوقهم الإنسانية، وأدى إلى إحراق مبنى البلدية والمحكمة الشرعية والاعتداء على الممتلكات الخاصة، ودفع الأمور نحو مواجهة خبيثة بين بعض المواطنين والمؤسسات العسكرية والأمنية… الخ، وهو نتيجة صارخة لهذا الواقع.

نحن ندرك تماماً أن مدينتنا ليست وحدها وقد شاهدنا تضامن اللبنانيين الصادق مع ما تعانيه. وندرك أننا لسنا وحدنا من يعاني من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والصحية، فالإنهيار الكامل للدولة وغيابها وفشل كل الخطط والخطوات التي قامت بها السلطات على الأقل منذ 17 تشرين الأول 2019، يطاول اللبنانيي كافةن والمناطق كلها بضرره.

فنحن لن ننسى أن هذا الفشل والفساد والإجرام فجر بيروت في الرابع من آب (2020)؛ ولن ننسى أن البقاع يكاد يكون خارج الشرعية وخارج القانون سواء على الحدود المفتوحة أو في التفلّت الأمني قتلاً وسرقة على الطرقات من دون أي إجراء للحد منه؛ ولن ننسى الفشل المرعب في إدارة ملف الحدود البحرية حيث حدود لبنان نفسها تحولت إلى مجال لتسجيل النقاط السياسية بين أطراف السلطة نفسها. هذا عدا عن الفشل في معالجة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتربوية وجائحة كورونا مع كل تداعياتها.

أما طرابلس مدينتنا التي أعلنت في حراكها الأخير الخروج من تحت عباءة الزعامات التقليدية؛ هذه المدينة، التي إنتفضت سلمياً ولا تزال وكانت محط أنظار العالم، تجد نفسها مستباحة اليوم على أكثر من صعيد بعد تهميشها سياسياً واقتصادياً واجتماعياَ وبيئياَ وتربوياَ على امتداد عقود، إلى أن تحولت إلى مدينة فقيرة بمعظم سكانها وإلى حدوث خللٍ طبقيٍ عميق وإلى اضمحلال الطبقة الوسطى فيها. والفقر لا يعيب أهلها الطيبين بل هو وصمة عار على جبين السلطات المتعاقبة وسياساتها الفاشلة الفاسدة، التي لا ترى القدرات الكبيرة الكامنة في هذه المدينة وفي الشمال كفرصةٍ لاستعادة النمو والتنمية في لبنان الذي دخل اقتصاده في نفق أسود منذ سنوات. أكثر من ذلك، فإن هذه المدنية المحرومة والمقهورة بفعل هذه السياسات المتعمدة، تجد نفسها من دون أي وجود فاعل للسلطة والدولة المركزية يراعي مصالح سكانها بأمانة، لا بل نجد إمعاناً في التهميش والقمع وتعطيل الانماء، كأنها “مدينة سائبة” لا أهل لها ولا من يدافع عنها.

إنَّ ما حصل في طرابلس في الأيام الماضية هو انفجار اجتماعي غاضب إزاء هذا الفشل المزمن والغياب الرسمي، لا يحفزه الفقر والحرمان وحدهما، بل أيضاَ الشعور العام والمزمن بالإهانة والإذلال المتعمد للمدينة وأبنائها، وترك عناصر الانفجار المجتمعي من دون أي معالجة: فلا تُفعّل مرافقها، ولا تؤهّل بناها التحية، ولا ينشّط اقتصادها، ولا حل لجبال النفايات فيها، ولا عمل على تخفيف البطالة والتسرب المدرسي لأولادها، ولا يعمل على إيجاد حلول للظلم الذي يلحق بالعشرات من العائلات وأبنائهم الموقوفين من دون محاكمات عادلة منذ سنوات، من أجل استخدامهم للمقايضة السياسية في عفوٍ شامل لمن يستحق ومن لا يستحق. أضف إلى ذلك كله تجريد المدينة من المؤسسات المركزية أو السلطات المحلية أو النقابية التي يمكن ان تشكل مناعتها أو تنطق بإسمها.

لقد فشلت السلطة المركزية وأدواتها المحلية ممثلة بالدرجة الأولى في المحافظ الذي عجز عن القيام بدروه في تفعيل الدوائر الإقليمية للوزارات والعاجز عن القيام بأي مبادرةٍ أو حوار، بالإضافة إلى دوره في تعطيل شبه كامل لبلديات الفيحاء واتحادها. يُضاف إلى ذلك الفشل الجماعي في اعتماد سياسات أمنية وقضائية شفافة تخاطب الناس بدل تخويفهم؛ ومصادرة شبه معممة للنقابات والهيئات الاقتصادية والاجتماعية واستتباعها للتيارات السياسية ما أفقدها دورها المستقل وقدرتها على الرقابة وتعويض غياب الدولة وقصور مؤسساتها.

إنَّ الوضع في المدينة سيذهب إلى مزيد من التدهور ما لم يسارع أبناؤها إلى الدفاع عنها ورفع الصوت عالياً لمنع تحويلها إلى ساحة مفتوحة لحسابات تتجاوز حدودها وأهلها. وتنتظرنا أيضاً أوضاع أكثر سوءاً ما لم نبدع مخارج وحلولاً فورية لمعالجة الأزمة التي هي في أساسها أزمة غياب الدولة وتهميشها للمدينة، من خلال خريطة طريق جريئة لا بد منها.

وعليه، نحن الموقعين على هذا البيان، نرفع الصوت عالياً لنعكس ألم مدينتنا وأهلها ولنطالب كخطوة أولى بالآتي:

  • أولاً: إقالة المحافظ الحالي فوراً، وتكليف شخصية مستقلة وكفؤة تحظى بثقة أبناء المدينة للقيام بمهمات المحافظ في تنسيق عمل إدارات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، وفتح حوار صادق مع أبناء المدينة والاستجابة لصرخات الناس وتخفيف معاناتهم.
  • ثانياً: المطالبة بفتح تحقيق فوري وشفاف بالأحداث الأخيرة، وتحديد المسؤوليات عن التقصير في حماية البلدية والسراي وغيرها من مؤسسات المدينة، وكذلك تحديد المسؤوليات في استخدام الرصاص الحي والعنف المفرط في التصدي للمتظاهرين، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاسبة كل المقصرين والمسؤولين عن ذلك وضمان عدم تكراره، سواء كانوا مسؤولين سياسيين أو إداريين أو أمنيين في العاصمة أو مسؤولين محليين، وكذلك كشف هوية المحرضين الحقيقيين على إحراق البلدية، وإعلان ذلك على الرأي العام خلال أيام وعدم البحث عن كبش محرقة لحجب الحقائق.
  • ثالثاً: إنشاء خلية أزمة فعالة تجمع المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية من دوائر حكومية وبلديات، بالتعاون مع النقابات والهيئات الاقتصادية والهيئات الدولية العاملة في طرابلس، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني وشخصيات المدينة المستقلة من كل الفئات والأحياء، المغتربين والمقيمين، من أجل وضع خطة عمل فورية لمعالجة الأزمة المعيشية أولاً، ولاستعادة الحوار المجتمعي ومع المؤسسات والسلطات المحلية.
  • رابعا: العمل على إيجاد آليات متابعة شعبية ومدنية ونقابية لمسار الأوضاع، من أجل ضمان التوجه نحو استقرار في الأوضاع في المدينة ومعالجة مشاكلها، والتفاعل الصحي مع مطالب الإصلاح في كل لبنان، ومن أجل استعادة دور طرابلس السياسي والاقتصادي.

التواقيع (حسب الترتيب الأبجدي):

كارينا أبو نعيم (صحافية)، سلاف الحج (هندسة داخلية وتسويق)، باسم بخاش (مهندس واستاذ جامعي وعضو مجلس بلدية طرابلس)، بسام بركة (الأمين العام لاتحاد المترجمين العرب)، ميشلين بيطار (طبيبة أسنان وناشطة مدنية)، جان جبور (أستاذ جامعي)، جميل جبلاوي (مهندس وعضو مجلس بلدية طرابلس)، أميمة جدع (باحثة اجتماعية)، ناصر جروس (ناشر ومستشار في صناعة النشر العربية والدولية)، يحيى الحسن (طبيب أسنان)، خضر حلوة (مصرفي)، رفعت حلاب (صيدلي)، شوكت حولا (محام)، سامر حجار (أستاذ جامعي)، الياس خلاط (ناشط مدني ومدير مهرجان طرابلس للأفلام)، عدنان خوجه (فنان تشكيلي)، عدنان خوري (اختصاصي معلوماتية وصاحب مؤسسة)، نزيه خياط (طبيب جراح)، ديران هارمنديان (مهندس معماري استشاري- تخطيط حضري)، جنى دهيبي (صحافية)، زهيدة درويش (أستاذة جامعية)، سامر دبليز (ناشط مدني)، مصباح رجب (أستاذ جامعي متخصص في التخطيط العمراني)، جاكو رستكيان (فنان تشكيلي وأستاذ جامعي)، جان رطل (مخرج مسرحي)، رولا رافعي (إدارة أعمال وناشطة اجتماعية)، سحر رمال (طبيبة أسنان)، خالد زياده (أستاذ جامعي)، وائل زمرلي (مهندس وأستاذ جامعي)، ندى ستوف (شاعرة وأستاذة جامعية)، فيصل سلطان (فنان تشكيلي واستاذ جمعي)، ديالا شحاده (محامية وخبيرة في القانون الدولي)، سوسن شهال (ناشطة اجتماعية)، وفاء شعراني (أستاذة جامعية)، نوة شندر (مترجمة، وناشطة اجتماعية)، ربى الصايغ (وسيطة بحل النزاعات والحوار اللاعنفي)، لورا صفير (ناشطة اجتماعية ونسوية واستاذة جامعية سابقاً)، حسين ضناوي (محام)، مهى عزيزي (كاتبة وأستاذة جامعية)، غندة علاف (طبيبة)، مصطفى العويك (محام وصحافي)، عمر عياش (طبيب، نقيب الأطباء السابق )، رامي عبد الحي (أستاذ جامعي)، الياس غصن (أستاذ محاسبة وإدارة أعمال)، يحيى فتال (عضو سابق في المجلس البلدي لطرابلس)، رامي فنج (طبيب أسنان وناشط سياسي واجتماعي)، بديع قرحاني (صحافي)، جان بول قندلفت (أستاذ جامعي)، شدا قصاب  (ناشطة اجتماعية)، طارق كبارة (مهندس وناشط اجتماعي)، صلاح كوسا (أستاذ ثانوي)، ميشال كبي (مصرفي)، عتيبة مرعبي (محامية ومتخصصة في مجال القانون الدولي لحقوق الإنسان)، سليم مسعد (طبيب جراح، ونائب رئيس بلدية طرابلس سابقاً)، عمر مقدم (طبيب)، فادي ميقاتي (مؤسس نادي ريادة الاعمال)، أديب نعمه (محام، ومستشار في التنمية ومكافحة الفقر)، سعيد الولي (أستاذ جامعي سابق، كاتب وناشط ثقافي فني)، جوزيف وهبة (صحافي)، جيزان يمق (رائدة أعمال).

Leave a Reply

Your email address will not be published.