جميل معوض: نحن بحاجة إلى تحرير فكرة المؤتمر التأسيسي من بعبع المثالثة

جميل معوّض أستاذ جامعي وباحث متخصّص في الشأن السياسي.

لكن، إلى البعد الأكاديمي، ميزة هذا الشاب أنه يقارب لبنان وواقعه والسياسة بعدّة فكرية حديثة وحيوية ومتحررة من الخطابات الجاهزة والقوالب الجامدة واللغة المتناسخة. وفي الوقت نفسه، لا يتردد في تأكيد انتمائه إلى التغيير وحاجة لبنان إلى ذلك.

هذا ما يجعله يبحث ويحلل ويقرأ ويستنتج ويصوغ آراءه بخصوصية لا ترضخ للسائد ولا تكبّل نفسها بالموجود. وتراه يتجرّأ، بعقلانيّة، على قول ما يتردد آخرون في المس به.

“الجنوب” تحاوره لهذه الأسباب، وللمساهمة في ورشة قراءة لبنان اليوم وغداً، وللمساهمة في استعادة الفضاءات العامة التي سطت عليها ودمّرتها السلطة على مدى عقود، ولتوفير مادة سياسية وفكرية تُغني الحوار المرجو وتخصّبه لشروع قوى الاعتراض في الانتقال إلى معارضة وإنتاج مشروع وطني. 

كيف تقرأ 17 تشرين الأول 2019، اليوم؟

قراءتي لـ17 تشرين الأول 2019 في لحظتها تختلف عن قراءتي لها بعد ثلاثة أشهر، وكذلك اليوم. هذا يدل على أنها لحظة غير جامدة، وأن تداعياتها متغيّرة. برأيي، وفي ضوء الانهيار الذي نعيشه في لبنان، أجد أنها كانت محاولة بقاء. بعض الناس كان يحاول أن يبكي على كرامته التي انتُهكت من النظام. بعضهم كان يحاول أن يُبقي على ما أعطاه إياه النظام من مكاسب. والبعض كان يتظاهر لكي لا يهاجر من البلد. أي أنه ليس الجميع كانوا يتظاهرون طبقياً. وإذا ما نظرنا في بدايات الأزمة الاقتصادية، لوجدنا أن اللبنانيين أولاً تخلوا عن عاملات المنازل الأجنبيات. فمحاولة البقاء كانت الرقصة الأخيرة قبل الإنهيار الكامل. لقد كانت الفرصة الأخيرة للمطالبة ببعض الأحلام، أو التعبير عن تلك الأحلام. كانت محاولة أخيرة للفرح.

كأنك تقول إن 17 تشرين تعبير عن نهاية، في حين يراها كثيرون لحظة بداية. هل لك أن توضح جدل المخاض هذا؟

كانت محاولة غير منظمة للبقاء، ترافقها فوضوية معينة تعكس استحالة البناء، إن كان بناء تنظيم سياسي أو بناء شيء جديد، إذ لم نعرف ما الذي يمكن بناؤه، هل هو نظام جديد أو عقد اجتماعي جديد أو طبقة سياسية جديدة.

فبعيداً من مطلب “استقلالية القضاء”، كانت غالبية الشعارات الأخرى، مثل “إلغاء الطائفية السياسية” و”مكافحة الفساد”، فضفاضة جداً وعامة. وقد وجدت  صداها عند المسؤولين في النظام. كلهم يريدون محاربة الفساد وإلغاء الطائفية السياسية. وهنا، تتجلى أزمة استحالة البناء. وبالبناء لا أعني بناء تنظيمات فحسب، إنما بناء طروحات سياسية جديدة، مجتمع جديد أو عقد اجتماعي جديد.

17 تشرين، في مكان ما، لم تكن تظاهرات وحراكاً اجتماعياً وشعبياً ضد السلطة فحسب. وبعد سنة، أقول إنها كانت لحظة رُفضت فيها كل وسائل التغيير السابقة. وكأننا كنا نقول إن كل ما جربناه سابقاً لا يفيد، وإننا بحاجة إلى شيء جديد. ولكن هناك أيضاً استحالة أن نجد هذا “الشيء الجديد” الذي لم نكن نعرف ما هو. يعني، استُهلكت المنظمات غير الحكومية، استُهلكت مبادرات الأحزاب، وكذلك الأفراد الذين حاولوا التغيير من الداخل (التجربة الوزارية لشربل نحاس مثلاً). سبل التغيير السابقة استُهلكت في هذه اللحظة.

طبعاً، كنا نرى بعض الخيم لبعض الجمعيات والأحزاب قيد التكوين، ولكن هذه كانت هامشية مقارنة بما كان يحدث في البلد. وحتّى اللحظة هؤلاء لم يكونوا محوريين. ربّما كان الإعلام يعطيهم مجالاً أكبر، أو أنّ الساحة ظهّرت وجودهم الجسدي عبر الأعلام واللوغويات، ولكنهم لم يكونوا المحرّكين الأساسيين لهذه اللحظة. بالتالي، 17 تشرين كانت لحظة رفض فيها الناس بتعبير جماعي هذه المبادرات. وهذا أيضاً ساهم في صعوبة البناء، لأننا كنا في لحظة نقول فيها إن 17 تشرين هي لحظة تضيء على ضرورة إعادة التكوين السياسي في لبنان، وإن أي فعل سياسي كان يمارس سابقاً هو في الحقيقة غير منتج، أي لا يؤدي إلى أي مكان، لأن السياسة مقتصرة على نظرة بعض الأفراد والتنظيمات للتغيير، وأننا لا نقارب السياسة على أنها فعل يومي.

إنك تطرح إشكالاً كبيراً ومعقّداً يتمثّل في علاقة المواطن المنتفض والمجموعات السياسية المشاركة في الاعتراض. وكأننا أمام سيناريو يقول إن المواطن كان في واد والمجموعات في وادٍ آخر، ولم يحصل اللقاء؟

ليست منظمات المجتمع المدني أو بعض الأحزاب وقوى الاعتراض وحدها هي التي تقاوم هذا النظام (أو تحتكر هذه المقاومة). عملياً، مَن كان يقاوم هذا النظام هو المواطن العادي الذي وجد في 17 تشرين اللحظة التي يمكنه فيها التعبير عن نفسه، أي الفئات المهمّشة التي كانت موجودة في طرابلس وصيدا وبيروت والجنوب. وهنا، كنا نعيد التكوين السياسي، بمعنى أننا نضع المواطن الحجر الأساس في فعل سياسي وإنتاجي سياسي. المشكلة أنه لم يكن لدينا صلة وصل بين هذا المواطن العادي وطريقة فهمه السياسة وطريقة مقاومته النظام وتنظيم سياسي يشرك هذين العنصرين. كنا بحاجة إلى جسر بين المواطن العادي والأطر الجديدة التي تمثل هذا المواطن العادي. لذلك أقول، كان هناك استحالة في التغيير لأننا كنا نتكلم باسم هذا المواطن العادي وندّعي أننا نعرف هواجسه، في الوقت الذي لا يرى المواطن العادي تلك الأطر التي تتكلم باسمه أو تمثله. وفيما لا توجد أطر ينتجها هو. إذاً، يوجد حلقة مفرغة بين من يدعي التغيير والمواطن العادي.

وكيف تقوّم ما فعلته السلطة؟

السلطة اشترت الوقت لنفسها. لديها مقومات قوة كبيرة وتفوق ما كان يعتقده بعض الناس. هذه السلطة، طبعاً، استخدمت العنف ضد المتظاهرين، وشيطنت بعض التظاهرات، وفي أماكن أخرى عرت الحراك إذ سألت الأحزاب التقليدية عن البديل الذي يقدمه الحراك. ولا جواب غير ما ظهر على أنه جواب سهل يستر في الواقع ضعفاً جوهرياً: الثورة تطالب ولا تفاوض. هذه السلطة عملت على جميع الجبهات لتبرئ نفسها وتشتري لنفسها الوقت.

ما نجحت السلطه فيه هو أنه فيما كان الحراك يحاول أن يظهرها على أنها جسم واحد متكامل من خلال “كلن يعني كلن”، كسرت هذا الشعار بشكل غير مباشر، وقالت “لا، مش كلنا يعني كلنا”، وفتحت جبهات في ما بينها. يعني، بدلاً من أن تفتح جبهات بين السلطة والشارع- الحراك، فتحت جبهات في ما بينها. هذه استراتيجية ذكية كانت مضادة لشعار “كلكن يعني كلكن”، وهي تجعل السلطة تتوحد في أساليبها.

وعلى الصعيد الاقتصادي، حوّلت السلطة مفهوم التفاوض إلى مفهوم فضفاض. كل القرارات التي أتخذها مصرف لبنان جعلت المواطن هو من يفاوض على حقوقه. مثلاً، تركت للمواطن سعر الصرف على  1500 ليرة ورفعت يدها عن سعر السوق. ما الذي يعنيه ذلك، بالإضافة إلى قراءاته المتعددة اقتصاديا؟ يعني أن السلطة تجرب أن تقول إن في إمكان المواطن أن يربح في آخر المطاف. مثلاً، عندما يقوم صاحب مهنة حرة، بأداء وظيفته ويطلب أجرة دولاراً بتسعيرة 4 آلاف ليرة، يعني أننا نشعره بأنه قد ربح بالمقارنة مع 1500. والأمر نفسه إذا صرفنا مئة دولار بـ 700 ألف ليرة، بينما سعر الصرف الرسمي 1500. وهذا كان يشعر المواطن بأنه قد حقق مكسباً، بينما هذه كانت استراتيجية النظام التي تسعى لكي يشعر المواطن الفرد بأنه يحقق مكاسب شخصية. وفي الحقيقة، هذه المكاسب هي آنية جداً، وهي ستسهم في إنتاج أزمة بعد فترة. ناهيك بأن الحراك ركز كثيراً على فكرة الانهيار كاستراتيجية أساسية لتعرية الأحزاب الحاكمة ومقارعتها، وعجز على بث الأمل (مشروع سياسي يحمل الأمل). التركيز على الانيهار ساهم في بث روح العجز لدى الناس. استفاد النظام كثيراً منه.

إضافة إلى تشغيل السلطة بعد 17 تشرين الأول 2019 آلياتها للاستحواذ على المواطنين، أو إعادة مَن تسرّب منهم إليها، يبدو من كلامك أن لدى الزعماء وقوى السلطة جاذبية مستمرة، فما هي؟

هناك أمر بنيوي مهم في هذا النظام، وهو مفهومنا للحياة السياسية. هذا النظام أمضى 30 سنة وهو يؤسس لحياة سياسية لا نتكلم عنها. كنا نتكلم عن إصلاح القضاء وإلغاء الطائفية السياسية، عن مواضيع قانونية ومواضيع إصلاحية، ولكن لم نكن نناقش الفضاء العام حيث تحدث هذه الأمور، أي فضاء الحياة السياسية. يعني، هل قرأنا ما هي الحياة السياسية بشكل صحيح، وهل نعرف ما هي الحياة السياسية في لبنان بشكل دقيق؟ بعد تفكير أجد أن بعض قوى الاعتراض يريد أن يخترع حياة سياسية جديدة، ويريد أن تسقط هذه الحياة السياسية على المواطن اللبناني. وهذا أمر غير صحيح، لأن السياسة متمحورة حول فكرة الزعيم والوجاهة والقرابة من أحد النافذين. بمعنى أن هذا النظام ما زال مسيطراً على الحياة السياسية وقيم السياسية ومفهوم السياسة في لبنان. وهذه ترتكز على أن “الزعيم أهم شيء، ولا يمكنني العيش من دونه، ليس لأني آخذ خدمات منه”. ولا يقتصر الأمر على الزبائنية، بل هناك الشعور بالفخر الذي يشعر به المواطن لقربه من زعيم. هذه فكرة أساسية تحيلنا على سؤال أساسي: هل أريد أن أخترع حياة سياسية جديدة أم أريد أن أكون معارضة من ضمن الحياة سياسية؟ أي لا يمكنني أن أُسقط على الناس مشاريع من دون أن أُشعرهم بإلفة سياسية. والزعيم سبق ونسج إلفته السياسية، ولكن استثمر الناس لمصالحه السياسية. قوى الاعتراض يجب أن تنمّي الألفة مع الناس، ليس بحثاً عن مصالح شخصية، إنما من أجل المصلحة العامة.

هناك العامل الخارجي أيضاً، يبدو مساعداً دائماً للزعماء وقوى السلطة والنظام؟

في ما يتعلق بالخارج، واضح أن لبنان ليس أولوية. فدول الخليج ليست مهتمة بلبنان. ومصر لديها اهتمامات أقل بلبنان. والمنطقة متجهة إلى التطبيع مع إسرائيل، بينما لبنان أبعد ما يكون عن التطبيع. أي أن أولويات المنطقة تغيرت. بالتالي، الاهتمام بلبنان في تراجع مستمر. ما يؤثر على شبكات الزبائنية والأموال التي تُدفع من الخارج وتصب في لبنان. ولكن برأيي كل هذا هامشي.

وماذا تغيّر في المعطى الخارجي بعد 17 تشرين الأول و4 آب، والمبادرة الفرنسية والعقوبات الأميركية؟

جزء أساسي مما حصل في السنوات الماضية، هو أنه حصل نوع من “لبننة السياسة”. أصبحنا نتكلم عن قصور هذا النظام في ما يتعلق بخدمته المجتمع، أكثر مما نتكلم في السياسة كشان إقليمي. في 2005، كنا لا نتناول الشؤون الداخلية إنما نتكلم عن السياسة الإقليمية، السعودية وإيران و14 و8 آذار وغيره. نجحت الحراكات الأخيرة بلبننة السياسة في لبنان، إذ بتنا نتكلم عن السياسة بصفتها علاقة بين الدولة والمجتمع، وليس أنها علاقة إقليمية بلبنان فحسب. ولكن هذا لا يعني غياب السياسة الإقليمية عن لبنان. وقد يعود الاهتمام السياسي الإقليمي بلبنان في لحظة ما.

مشكلة المبادرة الفرنسية أنها لا تشمل أهم المؤثرين الإقليميين والدوليين في الوضع اللبناني، أميركا وإيران والسعودية والخليج. بالتالي، كانت مبادرة يتيمة لأن راعيها يتيم، فافتقدت إلى مقومات النجاح. لا يعني ذلك أنه في لحظة ما، لن تحدث مبادرة دولية أو إقليمية في ما يتعلق بلبنان (خلال عشرة أيام يمكن أن يترتب حوار وطني خارج لبنان ويتفقون على تسوية). أنا حالياً لا يهمني الدور الإقليمي بقدر ضرورة استمرارية لبننة السياسة في لبنان، لأنها شبكة الأمان أمام أي تسوية مقبلة. فتراجع لبننة السياسة يجعل أي تسوية لمصلحة الزعماء والأحزاب التقليدية على حساب الحق العام. لذا، واجبنا كقوى اعتراض أن نؤمن لبننة السياسة في وجه أي تسوية محتملة.

الطائفية أمر أساسي في اللعبة السياسية في لبنان، وهناك استسهال في مقاربتها، كيف ترى إليها في ضوء ما يجري، وخصوصاً أداء قوى الاعتراض و17 تشرين؟

موضوع الطائفية جزء أساسي من إعادة إنتاج هذا النظام لكنه موضوع معقد جداً. عندنا طائفية وعندنا نظام توافقي، في ما يتعلق بتقاسم السلطة وحق الفيتو وإلى ما هنالك. النظام الذي ركّبوه، نظام الزعامات، لا يشبه نظامنا السياسي. هو نظام زعماء باسم الطائفية والطائفة. وهذه نقطة أساسية. كذا بالنسبة إلى النظام الاقتصادي. نظامنا عبارة عن احتكارات اقتصادية وتجارية، بعيداً من نظرية حرية التنافس والسوق حسب معادلة “دعه يعمل دعه يمر”. وعندما نتكلم مع الناس يجب أن نقول لهم إن هذه الجماعات لا تحترم حتى النظام الموجود. فلو افترضنا أننا ألغينا الطائفية السياسية هل سنُقصي نبيه بري وسمير جعجع وميشال عون؟ بالتأكيد لا. وهذه برأيي خطوة لا تصل إلى محل، ولا تعني أنه إذا ألغينا الطائفية السياسية ستُحل مشكلة البلد. الموضوع الأساس هو كيفة فهمنا للنظام الحاكم أبعد من صفته نظاماً طائفياً وحسب. إنه أيضاَ نظام مبني على العنف بدءاً من القبضايات إلى الميليشات، وحديثاً “البلطجية” (كلمة دخلت حديثاً قاموس السياسة في لبنان). وأكرر، إننا إذا ألغينا الطائفية السياسية سنستطيع إزالة قبضايات الأحياء وزعماء الميليشيات؟ الفكرة الأساسية هي إعادة إحياء السياسية للمصلحة العامة. إعادة الاعتبار إلى الدولة ومؤسساتها بصفتها مصدر حق.

وفي هذا الجانب، ماذا عن قوى الاعتراض و”خطابها”؟

هناك أسئلة لا تُطرح من جانب من يعارض النظام، باستثناء بعض البرامج السياسية القليلة، وأبرزها برنامج “مواطنون ومواطنات في دولة”. فكلما واجهتنا مشكلة، مثل الطائفية، نطالب بإلغائها، أو هناك فساد وزبائنية ندعو إلى إزالة النخب السياسية. الموضوع أعقد من ذلك. نحن في لحظة تأسيسية يجب أن لا نتركها للزعماء، لأنهم سيعيدون إنتاجها بما يتناسب معهم. يجب أن تكون قوى الاعتراض على مستوى هذه اللحظة التأسيسية. بمعنى أن تخرج من الشعارات العامة، ومن السياسة بصفتها تقديم وصفي لمشكلة معينة. يجب أن تأخذ المبادرة لكي تقدم نصوصاً، تحاور، وتفرض نفسها يوماً على طاولة التسوية الآتية لا محالة.

نستشف دعوة لقوى الاعتراض كي تبادر وتفكر وتكتب نصوصها وتعد مشروعها وتنظم نفسها، بل نستشف مأخذك على غياب الجرأة؟

ما اقترحه، هو تنظيم مؤتمرات محلية، لتقول الناس ماذا تريد. وهناك مسألة أساسية هي الخوف من كلمة تأسيسية. هذه الكلمة مسيطر عليها من النظام. النظام مسيطر على التصورات والخطابات، ومسيطر على فكرة الناس أنهم لا يستطيعون أن يعيشوا من دون زعيم، ومن دون طائفية. جزء أساسي من التصور هو كلمة المؤتمر التأسيسي، لماذا الناس تربط مباشرة بين المؤتمر التأسيسي وسيطرة حزب الله على البلد؟ والنظام بكامله يساهم في تعزيز هذه الفكرة، وحزب الله مبسوط بهذه الفكرة، والبطريرك بشارة الراعي مبسوط بها، وكذلك سعد الحريري. وعملياً، اللحظة التأسيسية الجديدة مجمدة تحت ذريعة أنه في حال حصولها سيكون هناك مثالثة، لأن النظام يسيطر بهذا الخطاب. بالتالي، يجب أن نخرق هذا الخطاب ونظهر الوجه الإيجابي من المؤتمر التأسيسي، لبناء عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع. وحالياً، عندما يحكي النظام بمؤتمر تأسيسي جديد هو يحكي بالمثالثة، لأنه ما زال يفكر في تقاسم السلطة، في الطائفية وإلى ما هنالك. هو لا يتحدث عن عقد بين المجتمع والدولة. ما يجب أن تفعله قوى الاعتراض هو أن تفتح أفقاً لفكرة التأسيس وتقول إننا نريد تأسيس شيء جديد لمصلحة المواطنين وليس الزعماء. وهذا بحاجة إلى جرأة كبيرة، وهي غير موجودة. ونحن بحاجة إلى جرأة لنتكلم عن بنود العقد الاجتماعي الجديد. مثلاً، هل سنلغي فوراً الطائفية السياسية؟ ويجب أن نجد سبلاً للرد على هواجس الناس. ففي بعض المناطق المسيحية، يعتقدون أن المسلمين يشترون أراضي المسيحيين. هذا هاجس موجود. كيف نعالجه؟ نلغي الطائفية، أم ماذا؟ من هنا، يجب أن يكون هناك مبادرات جريئة ترد على الهواجس وتحكى في الصميم في موضوع التغيير.

عملياً، كيف يُترجم ذلك؟

إذا المجموعات بدأت تعمل ستفرز قيادات وبرنامجاً وطنياً. إصلاح القضاء عام ومهم. قانون الانتخابات مهم. وإذا لم ينوجد لاعبون أساسيون في المشهد العام نكون بلا إنجاز. التنظير السياسي لم يعد مجدياً. والإعلام يلعب على هذا التنظير. نحن بحاجة إلى عمل ميداني من خلال المجموعات المنتشرة على الأراضي اللبنانية. هذه المجموعات تبلورت، لكنها لم تشعر بعد أنها جزء من طاقة وطنية تعمل للتغيير. يجب ألا نقع ضحية التشرذم الذي حصل مع كل حراك شعبي. يجب أن تشعر المجموعات، والناس، أنها تعمل ضمن مناطقها ولكنها ضمن منهجية وطنية. هذا يستدعي، اليوم قبل الغد، تحديد منهجية عمل وطنية ومناطقية تعطى للمجموعات فترة 6 أشهر لتعمل ضمن منهجية العمل وتلتقي بعد 6 أشهر ضمن مؤتمر وطني ينعقد لأكثر من يوم. هكذا ننتج قيادات مناطقية ونجيب عن هواجس الناس عندما تسأل ماذا فعلتم؟ وإلى ماذا توصلونا؟ والعمل في المناطق يجيب عن الأسئلة، ونكون بعدها ذاهبين إلى الترشح في الانتخابات ويكون ذلك المثال الأكبر على تحمل المسؤولية السياسية.

باختصار، منهجية عمل عامة توضع مركزياً لمجموعات عمل عامة للعمل على صعيد المناطق، تعمل بعدها المجموعات فترة 6 أشهر في المناطق، تعود بعدها إلى الاجتماع مركزيا وتستعرض المجموعات عملها للتفتيش عن القواسم المشتركة التي نتجت عن عملها وتحويلها إلى قواسم مشتركة وطنية، وتتفق المجموعات على برنامج عمل. هذا البرنامج يجب أن يكون من شقين، وطني متفق فيه على قيم أساسية، ومناطقي بحسب طبيعة كل منطقة ووضعها. ومن القيم الوطنية مثلاً عدم التفريط بالملك العام من خلال الخصخصة، الفصل التام بين مَن يتولى مسؤولية في القطاع العام ومصالحه الخاصة. وهنا، نكون أمام برنامج عمل وطني ضمن شبكة وطنية وضمن شعار معين ومرتبط بالمناطق، ولا تعود المجموعات المناطقية منفصلة وتعمل لوحدها. وفي أي لحظة، سواء أكانت انتخابات أو غيرها، تتحرك وطنياً. وهذه إحدى الثغرات في 17 تشرين، لأنه لم يكن هناك قوى تفاوض هذه السلطة. وفي مكان ما يجب أن يكون لدينا جرأة مفاوضة هذا النظام. نفاوضه من خلال بعض العناوين التي نستطيع مفاوضته عليها، مثل كهرباء 24/24، ضمان صحي شامل… إلخ. ولو كان لدينا في 17 تشرين هذا الجسم، وفاوضنا، كنا حققنا كثيراً في السياسة الفعلية وليس في الخطابات. والتحركات لن تنتهي. وفي لحظة، إذا كان هذا الجسم موجوداً وقت التأسيس يستطيع أن يضع شروطه أو قد يستلم السلطة.

وعندما توجد هذه الشبكة، مع مطالب محددة متفق عليها بالحد الأدنى، يمكن أن نقول إننا انتقلنا من الاعتراض إلى المعارضة والالتزام بالعمل السياسي، وتستطيع التفاوض مع السلطة، لأن لها أرضية وطنية ومطالب محددة، وتستطيع أن تتحرك بجسم موحد في المناطق كلها وبرؤية واحدة، وبشعارات محددة وطنياً.

ورد في حديثك “مفاوضة السلطة”، وتعرف أن هناك رفضاً لذلك لدى كثيرين، فهل يمكن أن توضح الأمر؟

عندما أقول مفاوضة النظام لا أقصد الجلوس مباشرة معه والتفاوض، فالانتخابات هي نوع من التفاوض. وإذا تشكل هكذا جسم مع مطالب واضحة مبدئية للعمل السياسي ولتأسيس دولة جديدة وتحديد معالم وبرنامج، أنت تستبق أي احتمال للخرق لمن يدعي أنه يمثل قوى الاعتراض والثورة. وعندما تجري الانتخابات هناك مئة شخص سيقول إنه مرشّح الثورة. لهذا أقول إن 17 تشرين يجب ألا تكون مرجعية للعمل السياسي بعد اليوم.

ما تقدّم يستدعي العمل السياسي واحترافه، إضافة إلى أمور أخرى، فهل هذا ممكن في ظل تصحير السياسة في لبنان؟

لا سياسة في لبنان. السياسة هي مصلحة عامة ومبادئ، هي تحديد أولويات وعلاقات. هناك أناس تزعلهم، وهناك أناس تفاوضهم. السياسة أن أقول ما هي أولويات الشعب اللبناني، وما هي أولويّاتي كمجموعة، وأبرّرها. لأن، عملياً، سيأتي كثيرون ويقولون إن برنامجكم جميل ولكن لا يتطرق لموضوع حزب الله، مثلاً. في حين أنني أنظر إلى موضوع حزب الله ضمن رؤيتي لتركيبة ما بعد الطائف. السياسة أن أقول لجهات إنني لا أتفق معها، لأنها، مثلاً، تريد خصخصة الكهرباء وأنا أرفض ذلك. السياسة هي الجراة على التفاوض، وعلى أن أصرح بأنني أعمل لكذا وكذا. اليوم، قوى الاعتراض لا تنتج سياسة، لا تنتح خطاباً. إنتاج الخطاب هو عمل سياسي. والسياسة هي أن تغدو هناك مجموعات تحكي باسم هذا المشروع، وتتحمل مسؤولية. وتنتهي السياسة مع الأفراد. فالسياسة هي ناس ندعوهم لكي يكونوا معنا، أو لدعم المشروع السياسي، أو ليكونوا في العمل السياسي. ما حصل في 17 تشرين هو ليس فعلاً سياسياً، هو شعارات عامة وحراك اجتماعي عام.

والسياسة هي خلق فضاء عام لتشتبك هذه الافكار في ما بينها وتتطور. وليزعل من يزعل، ويرضى من يرضى، وينضوي في إطار من يريد، ويشارك في عمل من يريد، ويعارض من يعارض. في لبنان، لا مساحة عامة لهذه النقاشات. النظام سيطر على الفضاءات كلها التي تجعلنا نفكر في السياسة. سيطر على النقابات. سيطر على المهن. سيطر على المدارس وعلى لجان الأهل. سيطر على كل شي. المطلوب هو إعادة خلق الفضاءات العامة. هذا هو المدماك لإعادة تفعيل السياسة وإنتاج الفعل السياسي في لبنان.

(الصورة: مصطفى جمال الدين)

Leave a Reply

Your email address will not be published.