القوى السياسية تضع الحدود البحرية في البازار

حسان الزين

يتبادل البعض عبر وسائل التواصل تسجيلاً صوتيّاً للدكتور عصام خليفة يتحدث فيه عن موضوع ترسيم الحدود الجنوبية والمفاوضات غير المباشرة مع العدو الإسرائيلي. وقد استأذنّاه لاعتماده هنا. ويقول الآتي:

“هنالك قضية كبرى تطال المصالح التاريخية للشعب اللبناني، إما تُربحه مئات المليارات من الدولارات، وإما تخسره مئات مليارات الدولارات. ألا وهي المرسوم الذي أرسله لبنان بإحداثياته ورقمه 6433 بخصوص الحدود البحرية للجهات الثلاث، وخصوصاً تعديل الحدود الجنوبية مع إسرائل، مع الإشارة إلى أن المادة الثالثة تُعطي لبنان الحق في تعديل هذه الحدود.

الجيش اللبناني أرسل تعديلات الإحداثيات الجديدة، والمرسوم وملف كامل من 29-12-2019، وهو موجود على طاولة مجلس الوزراء. وزيرة الدفاع وقعت بتاريخ 9-3-2020. لماذا حتى الآن وزير الخارجية وغيره من الوزراء المعنيين لم يرسلوه إلى الأمم المتحدة؟ لأن إذا لم نرسله إلى الأمم المتحدة، إسرائيل أوصت على باخرة كلفتها نصف مليار  دولار من سنغافورة، لكي تستغل الغاز والنفط في كاريش، وعندها لا يبقى للبنان حق المطالبة بتعديل الإحداثيات السابقة، ونخسر حقنا. وهذا ضغط على إسرائيل أن تنصاع وترجع للمفاوضات ولا تتبع سياسة الأمر الواقع.

ربما إرباك الشعب اللبناني بالعنف والجوع والحصار وإنحلال السلطة والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مرتبطة ببتركيع شعبنا للإقرار بالتخلي عن حقوقه في هذه المنطقة البحرية.

نحن كمجتمع مدني، وكأكاديميين ووطنيين، نطالب بإرسال المرسوم فوراً، خصوصاً أنه بحسب الاتفاقات الدولية ونص المادة 157 من وثيقة الأمانة العامة للأمم المتحدة للعام 1999 تنص بوضوح أنه يمكن لأي دولة أن تسحب وثيقة لها تم ايداعها من جانب واحد لدى الأمين العام للأمم المتحدة. فما الذي يمنع لبنان أن يعدل لبنان لمصلحته الإحداثات الخاطئة التي كان قد أرسلها، والتي كانت ترتكز على 30 متر شمالي رأس الناقورة وعلى صخرة تغلب. وهما أمران لبنان يرفض أن يعتبرهما في موقفه بحسب القانون الدولي، خصوصاً المادة 121 الفقرة 3. فتغلب ليست جزيرة إنما صخرة، ولا سيما أن اتفاق الهدنة يؤكد أن صخرة رأس الناقورة هي نقطة انطلاق الحدود تبعاً لاتفاق بولينيكوم، وتبعاً للترسيم الذي حصل بين لبنان وإسرائيل بعد الهدنة بين 5 و15 كانون الأول” (نهاية كلام خليفة).

لقد جعلت القوى السياسية ملفاً وطنيّاً خطيراً، يتعلّق بحقوق لبنان دولة وشعباً، في البازار السياسي، الداخلي والخارجي. ولا غرابة في ذلك. لا غرابة في أن تتصرّف تلك القوى وكأن لبنان ملك لها فتبيع وتشتري. ولا غرابة في أن تضع لبنان تحت مقصلة التنازلات.

فالقوى السياسية هذه هي مَن أسقط لبنان في أزمة اقتصادية ومالية، وسياسية واجتماعية، قاتلة. وهي من شرّعه للشحادة والتنازلات للمؤسسات العالمية والدول الأخرى. وكما لم تأبه بالدولة وسيادتها وبحقوق اللبنانيين حين سطت، مع المصارف، على ودائعهم، كذلك لا تأبه بحقوق لبنان وحدوده وثروته الوطنية.

ولم تكتفِ القوى السياسية بإخضاع الثروة الوطنية لحسابات الحصص، إنما تدفعها إلى الخطر.

وفيما الروائح البشعة تفوح من إدارتها ملف ترسيم الحدود البحرية، تواصل إسرائيل عملها.

فمواقف القوى السياسية، في موضوع الحدود البحرية وترسيمها، تنطلق من مصالحها، لا من مصالح لبنان وحقوقه وحدوده. وإدارتها لهذا الملف تجري من خارج الدولة ومؤسّساتها.

اتفاق الإطار التفاوضي مع العدو الإسرائيلي، الذي أعلنه نبيه بري، ينطلق من عقيدة تقول إن المساحة المتاح تحقيقها هي 860 كيلومتراً. وهي أقل من حقوق لبنان، لكن فلنفاوض عليها ونحصّلها ونخرج منتصرين.

أمّا الموقف الآخر، الذي يرفع “الرقم” من 860 كيلومتراً إلى 2290 كيلومتراً، فقد استفاق عليه ميشال عون بعد العقوبات الأميركية على جبران باسيل. وعندها تذكّر الخرائط والملفات الموجودة لدى الجيش اللبناني، وتثبت حق لبنان في 2290 كيلومتراً.

فالموقف الأول يسعى إلى إرضاء الأميركيين، ضمن الحساب المفتوح، تحت شعار أن هذه حظوظنا ولنكن واقعيين.

أما الموقف الثاني، الذي اختاره عون بعد العقوبات، فيسير في الاتجاه المعاكس، أي استفزاز الأميركيين من أجل المساومة السياسية: التفاوض على الحدود وربما العودة إلى 860 كيلومتراً، مقابل رفع العقوبات عن باسيل.

والبقية ستُظهرها الأيام.

هكذا، بات الملف الوطني الحساس في مخرطة القوى السياسية ومواقعها والحسابات والأثمان التي تسعى إليها. إذ لم يغدُ أصحاب الموقف الأول، فجأة، حلفاء الأميركيين، ولم يتحوّل أصحاب الموقف الثاني، فجأة، إلى ثوار ضد الامبرياليّة.

وهذا طبيعي، أي متوقّع. وكل ما يجري معنا في لبنان طبيعي ومتوقّع، ما دامت القوى السياسية، المذهبية والتابعة والفاسدة… الخ، تعقد نظامها خارج الدولة وفوقها، وخارج لبنان وعلى حسابه وشعبه، وتتصرّف بلا حسيب أو رقيب. فلو أن الدولة هي من يدير الملف على نحو مؤسّسي وانطلاقاً من المعايير والمراجع القانونيّة، لاختلف الأمر. لكنّ نظام القوى السياسيّة خارج الدولة وفوقها. فترى قوى أنها بحاجة إلى إرضاء الولايات المتحدة فتعرض لبنان. وتعتقد قوى أنها بحاجة إلى المناورة مع الأميركيين فتعرض لبنان أيضاً. ورئيس الحكومة (حسان دياب) بات يعرف الهروب والتملّص والتواري. لا يُزعل لا هذا ولا ذاك، ولا يفتّح العين الأميركيّة الحمراء عليه. وقد طلب “إجماعَ القوى السياسية” للتوقيع على المرسوم الذي ينوي رئيس الجمهورية إرساله إلى الولايات المتحدة (تعديل الحدود). وهو يعرف أن ذلك مستحيل، وأن بري وحلفاءه يرفضون المرسوم ورفع السقف وإزعاج واشنطن. أما حزب الله الذي يعرف أن لا شيء يمر من دونه، فيترك “الشباب” يلعبون. لا يزعجه إرضاء الأميركيين، بل يستثمر فيه. ولا يحرجه استفزازهم، بل يستثمر فيه ويلهي حلفاءه. والجميع، من دون استثناء، في انتظار الجولة الأخيرة من هذه اللعبة، التي تجري على حساب الدولة والمؤسّسات وحقوق هذا البلد المرهون لمجموعة سياسية تعرف من أين تؤكل الكتف.

Leave a Reply

Your email address will not be published.