قوى الاعتراض مشكورة على اهتمامها بالمواطنين

سعيد عيسى

ما إن حطت كورونا في شباط 2020 على الأراضي اللبنانية حتى هبّت قوى الاعتراض على السلطة اللبنانية لنجدة الناس بعدما طارت إليهم أخباره من أربع رياض الأرض، في حين تعاملت السلطة مع الوباء كعادتها في التعامل مع الأزمات، تتركها كي تستفحل، ومن ثم تتداعى لاجتماعات وتشكل لجاناً، وتدرس الموضوع، وتختلف على قيادة تلك اللجان، فتضيع طاسة المسؤوليات ويدفع الناس الثمن، في حين أنّ قوى الاعتراض تعمل بكل ما أوتيت من قوة ودعم لتأمين الناس من الوبال الذي يسّقط عليهم وهو لا رطبًا ولا جنيّا.

جلّ ما فعلته السلطة- وهي لديها من الإمكانيات ما لا يعدّ ولا يحصى- أنّها شكلت خلية أزمة وراحت تتصارع في ما بينها على من يقود تلك الخلية، وبالطبع ليس همّ الاختلاف هو حياة الناس، إنّما من يتقدّم الصفّ الأول ليؤم الآخرين من القوى السياسية الراكبة فيها، ويقول أنا من يعمل، إني ها هنا فانظروني، وليوزع لاحقاً جولاته وصولاته على كلّ الأراضي اللبنانية، مفتتحًا مستشفى هنا، وموسعاً آخر هناك، حتى وصل الأمر إلى نموذج يتفوّق على النموذج الإيطالي في تعداد المرضى والموتى.

وفي ظلّ صولات وجولات من يقود خلية الأزمة، يقف الآخرون من القوى السياسية الرّاكبين في الخلية نفسها موقف المتفرّج أو يناكفون المتصدّر ومعرقلين له بإمكانياتهم وطرقهم الملتوية، والتي لهم فيها باع طويل، جلّ همهم إفشاله وإزاحته ليحلوا محله، وإذا لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا، يتحولون للغناء على ليلاهم مغرّدين خارج سرب الخلية وغايتها، ضاربين بعرض الحائط العمل الجماعي والمؤسساتي، غايتهم أن يقولوا لأتباعهم إننا ها هنا فانظروا ماذا نحن فاعلون.

وعلى المقلب الآخر، فيما يعاني الناس الأمرين من المرض، والحتف يلاقيهم من كلّ حدب وصوب، ينأى كارتيل المستشفيات بنفسه عن كل ذلك، يحسب نفسه غير موجود، مشغولاً بعدّ الأموال التي جناها من السلطة وبالتواطؤ معها، ومن ثمّ يقول أريد المزيد، وكأنّ الأموال التي جمعها بالطرق الملتوية لم تكفِه، بل يريد المزيد، وهو لم يتحرّك لفتح أقسام جديدة لمرضى كورونا إلا عندما سمع بدعم متأتّ من البنك الدولي ويريد أن يلحس إصبعه منه، بينما خلية الأزمة وخلفها السلطة اللبنانية لم تستطع أن تفرض عليه فتح تلك الأقسام على الرغم من مرور سنة على الجائحة، في أبلغ رسالة عن اللاأخلاقية التي يمارسها ذلك الكارتيل بالشراكة مع السلطة التي تتقاسم معه الأرباح واللاأخلاقية، وقد كان يتبجّح ذات يوم بأنّه مستشفى الشرق الأوسط. بينما الجسم الطبي بقي متروكاً من دون حماية أو رعاية حتى من الحدّ الأدنى لدرجة أن بعض الأطباء والممرضين دفعوا حياتهم ثمناً لتفانيهم من دون أن تجد عائلاتهم من يكفيها قوت يومها بعد فقدانهم.

إنّ ممارسات السلطة منذ ما قبل جائحة كورونا، وأثناءها، قسمت الدولة إلى مواطنين لا يلوون على شيء ينتظرون أقدارهم وإلى أحزاب تتنعم بنعمة السلطة تنظر للناس على أنّهم زبائن عندها، وتعاملهم على هذا الأساس، فمن سار على هداها تنعّم بالطبابة والعلاج ومن ضلّ عنها تتركه لقدره، إلى أن يعود إلى رشده ويتبعها، فيصيبه النعيم. وعلى الجانب الآخر للسلطة كانت المعارضات تقوم بواجباتها بكل ما لديها من إمكانيات، تؤمّن ما استطاعت من الدواء، أو الغذاء للعائلات المحجورة، أو أسرّة في مستشفيات من خلال علاقاتها وغيرها مما يتطلبه هكذا نوع من الأزمات، لكنها لم تستطع أن تكون كياناً موحّداً، تحاكم السلطة وكارتيلات المستشفيات على تقصيرها الفاضح ولاأخلاقياتها على ما فعلته بالناس من إذلال وصولاً إلى حد تركهم فريسة للموت.

(الصورة: فؤاد هاشم)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *