هنا طرابلس: ثلاثة أصوات تتحدث بصراحة

بعد مرور أسبوعين على انتفاضة أهالي مدينة طرابلس والمواجهات بين المتظاهرين وقوى الأمن التي أدت إلى استشهاد الشاب عمر طيبا وإصابة أكثر من 200  شخص بجروح واعتقال العشرات من المتظاهرين إثر حرق مبنى البلدية، برزت روايات مختلفة ومتناقضة أحياناً في شأن أسباب “الأحداث”. وقد ركز معظمها على خطاب “االمندسين” وشيطنة المنتفضين في طرابلس والاستغلال السياسي والأمني لهذه التحركات.

في هذه النصوص، نستمع إلى ثلاثة أصوات متنوعة من المدينة، في محاولة لقراءة ما جرى ويجري في طرابلس، ولفهم واقع العاصمة الثانية للبنان، من ضمن ما يمر به هذا البلد، وطرح التحديات التي تواجه قوى المعارضة.

“الجنوب” تحاور الأستاذ الجامعي سامر الحجار، الناشط السياسي والعضو في “حركة مواطنون ومواطنات في دولة” عبيدة التكريتي، والناشط هادي مجدلاني من مؤسسي “الاتحاد الطالبي”، ونرحّب بمزيد. 

الطرابلسي مخنوق والأجهزة تلعب ولا معارضة حقيقية

سامر حجار

التحركات التي جرت في طرابلس في الآونة الأخيرة متوقعة و طبيعية. المدينة تعاني منذ سنوات من مشاكل اقتصادية، والأرقام والمؤشرات صارت معروفة لدى الجميع. نضيف إلى هذا، قرار الإغلاق الذي اتخذته الحكومة من دون أي دعم للفئات المهمشة. الطرابلسي مخنوق إن جاز التعبير، اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً.

إضافة إلى الوضع الاقتصادي، ما زالت طرابلس مؤمنة بأهمية الاحتجاجات الشعبية في الشارع. يكاد لا يمر يوم إلا و بعض المجموعات تقوم بتحركات.

كل هذا أدى إلى الأحداث الأخيرة، سنوات من الضائقة المالية والاجتماعية، أشهر من التحركات على الأرض، كان ضرورياً لكثير من المجموعات حينها المشاركة بشغب ما، بعنف ما، لإيصال الصوت.

لا يمكن مقارنة وضع طرابلس مع أي مدينة أخرى. فإن كانت هناك مناطق تواجه تحديات الأزمة المالية والاقتصادية بمبادرات خيرية أو عبر التحويلات المالية من الخارج، فإن الوضع الديموغرافي والاجتماعي في المدينة مختلف وشائك. وطرابلس تشعر بمظلومية كبير في علاقتها مع الدولة. المدينة تفتقر إلى أدنى مقومات البنى التحتية، وهناك أسوأ ظروف حياتية للأفراد بالرغم من وجود إمكانيات وقدرات كبيرة في المدينة. فعلياً، لا يوجد راع رسمي للمجتمع الطرابلسي يدير مشاكله، يحميه أمنياً، ويعمل على إنماء مدينته. يكفي هذا الشعور لدى أهل المدينة لنرى ما رأيناه في الشارع خلال الأيام الماضية.

كعادتها، حاولات التيارات السياسية التقليدية في المدينة التلطي وراء الأحداث وتسلق مشاكل الناس. حاولت هذه التيارات منذ اليوم الأول استغلال الموقف وإلباس نفسها ثوب المظلومية والظهور بموقف المظلوم المدافع عن المدينة. قامت بعراضات دعم للبلدية وحملات استعراضية كان الهدف منها حفظ ما تبقى من ماء الوجه والتنصل من المسؤولية. لكن هذه التيارات تعلم أن لا شيء يمكن بعد اليوم أن يمنع من تكرار أحداث مشابهة للتي شهدناها. فلا الاستعراضات تنفع لامتصاص غضب الناس، ولا العراضات تفيد بحل الأزمة في المدينة. كل ما تحاول أن تقوم به هذه التيارات هو استباق ما سيحدث في الأسابيع القليلة المقبلة بالقول إننا حذرنا من الوضع الاقتصادي في المدينة. ولكن، هل هذا كافٍ؟ هل يكفي أن يطل علينا رئيس حكومة سابق يربط حلول مشاكل المدينة بكراتين الإعاشات؟ هل من المعقول أن لتيار يدّعي تمثيل المدينة نائباً تقيم في الإمارات؟ لا شيء سيمتص غضب الناس وإن تغيرت أشكال التعبير عن الغضب وأساليبه.

بصراحة، لا أعلم من هي الجهة التي قامت بحرق المبني. ولكن ومن دون أي تبرير لهذا العمل المدان، عندما حذرنا جميعاً من انفجار اجتماعي نتيجة للوضع المعيشي، ماذا كنا حينها نتوقع أن نرى، أقل من هذا؟ السرايا أو البلدية مركز حكومي تابع للدولة، الدولة التي لا يحمل آلاف من شباب المدينة تجاهها إلا الكره والبغض نتيجة ما يجري. لنعترف أن هناك شعوراً سلبياً للغاية لدى كثير من شبان المدينة تجاه الدولة، وعليه إن ما حدث أو سيحدث لا يمكن تفسيره إلا من هذا الإطار.

ومن ناحية أخرى، لا أستبعد وجود مندسين. للأسف، المدينة “مفتوحة” أمنيا وسياسياً، ولطالما كانت ملعباً للصراعات المحلية والإقليمية. وهنا، لا يمكننا إلا أن نحمّل أجهزة الدولة كلها وعلى رأسها المحافظ عن هذا الأمر.

معظم الأجهزة الأمنية في طرابلس تلعب دوراً سياسياً وغير أمني. فعلياً، كل جهاز تابع لطرف سياسي، علاوة عن العمل لحماية الناس، تستعمل هذه الأجهزة سياسياً بكل مرحلة وتتصارع في ما بينها في كثير من الأحيان. الأجهزة الأمنية في طرابلس هي اللاعب السياسي الأهم، تسهم في لعبة الانتخابات، تحمي وتدعم “قبضايات” الأحزاب وتقمع حالات المعارضة.

شخصياً، لم أعد أهتم بتحميل الأجهزة الأمنية مسؤولية ما يجري، فهي أجهزة سياسية لم تقم بكثير من واجباتها من أكثر من 15 سنة. وإن لم تعد هذه الأجهزة لتقوم بدورها الحقيقي ويُكف عن استخدامها سياسياً، فإن فرص الاستقرار في المدينة ستكون شبه معدومة.

وتعاني المدينة من غياب معارضة منظمة حقيقية. كل محاولات التشبيك بين مجموعات صغيرة وناشئة إبان 17 تشرين تظهر ما يلي:

لدينا فقر في النضج والخبرة السياسيين وقصور في الرؤية في مواجهة حيتان السلطة. غياب الخبرة هو نتيجة التصحر السياسي في المدينة وفي البلد لمدة 30 سنة. ثلاثة عقود في المدينة من دون نادٍ سياسي، نخب المدينة موظفون لدى حيتان المدينة أو غير مهتمين بالشأن العام، وأخيراً المجموعات السياسية المعارضة المناضلة عانت ما عانته من مضايقات فتراجع دورها.

نضيف إلى ذلك، مشكلة المجتمع المعارض في المدينة، إنه ولغاية اليوم ما زال عالقاً بلحظة 17 تشرين. معظم المجموعات لم تتخلّ عن لحظة تشرين الرومنسية، وما زالت مصرة على استعمال اللغة نفسها واعتماد الأساليب ذاتها. وهذا ما يصيب كل هذه المجموعات بجمود. جمود الأداء والنتيجة.

إلى ما ذكرته، هناك مشكلة الثقة التي خسرتها المجموعات المعارضة من كثير من الناس. وهنا الطامة الكبرى. للأسف، المشكلة تمتد جذورها من فكرة أن بعض الأحزاب والحركات المعارضة حاولت الاستئثار بالمعارضة وحولت الثورة من مواجهة شعبية بين الناس والمافيا للاعب سياسي.

أخيراً، حاولت بعض المجموعات المعارضة تصويب بوصلة احتجاجات الناس أخيراً، وهذا إن دل على شيء فهو عدم دراية بالناس. كثير من المجتمع المعارض مصر على تثبيت الشرخ والانقسام الاجتماعي في المدينة بدلاً من العمل على تطوير حلول في هذا الاتجاه. لا يمكن لأي مجتمع معارض شعبي يريد أن يمثل الناس، كل الناس، وأن يصر على لغة “هم ونحن”، لغة “المتعلم وغير المتعلم” و”الواعي وغير الواعي”. للأسف، لم تعمل معظم المجموعات التي تدعي أنها تحاكي هموم الناس للاقتراب من الفئات المهمشة ومشاركها الخطاب. طالما استعملوا لغة “هم ونحن”، سنبقى بعيدين عن رفع راية المعارضة الشعبية.

يجب أن نناقش في خلافاتنا والفرز مهم

عبيدة التكريتي

عندما يقرأ المرء التحركات وما حصل في طرابلس، يفترض أن يجد جواباً، أو أجوبة، ولكن الصورة تشبه “بازل” كبيرة.

هناك عوامل كثيرة تدفع طرابلس إلى التحرك. وعلى الرغم من ذلك يُطرح سؤال لماذا التحركات في هذا الوقت بالتحديد؟ ربما للأمر علاقة بالإقفال العام في ظل أزمة كورونا، وربما له علاقة ببعض المقاربات السياسية لمجموعات تفضل أن تتحرك في هذا الوقت وليس في وقت آخر، ومجموعات نتفق معها في المقاربة السياسية أو نختلف.

أما لماذا يتحرك الشارع في طرابلس وليس في منطقة ثانية، فلا يعني ذلك بالضرورة أن طرابلس مختلفة ومميزة عن غيرها، بقدر ما هي متقدمة في الحالة التي يمكن أن يصل إليها النظام اللبناني. هي متقدمة عليه بسنين. والآن العملية تتسارع لتصبح المناطق الأخرى قريبة من طرابلس، سواء أكان في البقاع أو في بعض المدن الجنوبية، وفي جبل لبنان. حالة الفقر والتهميش التي وصلت إليها طرابلس حالة ستواجهها المناطق اللبنانية كلها. طرابلس متقدمة عليها زمنياً بوصول وضعها إلى حالة مأسوية. وأحياناً الناس تعتقد أن العلاج في طرابلس موضعي، من خلال حصص غذائية أو تخويف المواطنين من خلال أمنيين. حالة طرابلس لا تتجزأ عن الحالة اللبنانية، ويجب أن نقرأها على الصعيد العام.

هناك قراءات مختلفة لحرق مبنى البلدية. جزء من المجتمع الطرابلسي المؤمن بالتغيير اعتبر أن هذا عمل مندسين، فوقعوا في التبسيط والسهولة وعادوا لا شعورياً إلى أحضان السلطة والطلب من الأمنيين مباشرة قمع الناس ومساعدة أهل المدينة. ويطلبون من السياسيين المساعدة وإعطاء دور أكبر لطرابلس.

في الوقت نفسه، أتحفّظ على التحليل الذي يقول إن العنف مئة في المئة شعبي. وأنا متأكد من أن مندسّاً لا يستطيع أن يرمي شيئاً أو يوجه رسالة لولا وجود هذا الغضب العارم. لا يستطيع مندس أن يجمع لوحده آلافاً أو مئات في الشارع ويرمي مولوتوف على هذا المبنى أو ذاك. هناك جزء كبير من هذا المجتمع لا تعني له البلدية أو المحكمة الشرعية شيئاً. وبالنسبة إلي حرق البلدية أو المحكمة هو عمل عشوائي وبالخطأ. جزء منه غضب. وجزء منه رسالة أراد البعض توجيهها. اللافت، الذي يجب أن ننتبه إليه، هو الشرخ الذي حصل بين الطبقتين أو الفئتين.

لقد أظهرت الأحداث سياسيي المدينة والأجهزة الأمنية بحالة تخبط، بسبب عدم معرفتهم بالوضع وقراءته، وكيف يجب أن يتعاملوا معه. لذلك، تلاحظ أن تصريحات السياسيين، ولاحقاً الأجهزة الأمنية بلسان الجيش، تدل على التخبّط. ويدل ذلك على أن السياسيين في أزمة وغير قادرين على التحدّث إلى الناس. ويمكن ملاحظة أن كثير من السياسيين لم يبدوا أي آراء في ما يحصل، مع أنهم كانوا دائماً يخرجون على الناس بتصريحات ومواقف. ولأنهم غير قادرين على ترويض الناس، ذهبوا في اتجاه وضع حدود ثانية، وهي الخيار الأمني لإبقاء سيطرتهم على الناس.

هناك كثير من الناس يعتبرون أنفسهم ناشطين، أو إعلاميين، أو لديهم حيثية في المجتمع. هؤلاء، وليس ضرورياً أن يطلوا على الشاشات والمنابر، علقوا بفخ أنه كي تكون ناشطاً يعني أن تتذمر من الوضع الحالي، وأن تعتبر نفسك ناشطاً فيسبوكياً، وتكتب كم ستيتوس، وبهذا تكون معارضاً. نحن لسنا بحاجة إلى هذا النوع من المعارضة. نحن بحاجة إلى مجموعات ثورية هدفها تغيير النظام وقلبه، بغض النظر عن الوسائل التي تتبعها. وليس الهدف أن تعارض من الداخل وتضع الحق على شخص فاسد وتطالب بتغييره. المعارضة من وراء الشاشات هي كمن ينزع الحمل عن أكتافه. ولكن، هناك أشخاصاً كثراً ينبثقون من المناطق الشعبية يتحولون إلى قادة، قد نختلف معهم على طريقة قيادتهم ولكنهم قادة شعبيون فعلاً، وهم ليسوا أبناء العائلة الفلانية، ولا لأنه درس في الجامعة الفلانية، ولا لأنه كان جزءاً من الحزب الفلاني. لكن، أحياناً، تنقصهم الجرأة ليقولوا إنهم يشتغلون سياسة. هناك فرق كبير بين حركات معارضة وحركات ثورية، تغييرية. هناك سؤال يوجه إلينا: هل هناك حركات معارضة؟ والجواب أننا كمواطنين ومواطنات نطرح طرحاً تغييرياً. نحن لا نطمح إلى تحقيق مطلب من هنا أو آخر من هناك. نحن نطرح ما هو الدور الفعلي لطرابلس، الدور المحوري والإقليمي، والاقتصادي، لبناء لبنان الذي نحلم به. يجب أن توجد حركات تغييرية تسأل هذه الأسئلة الصعبة. هناك كثير من الناشطين نتيجة طروحاتهم المطلبية يلغون المواجهة من خلال مطالب آنية ويأخذونها إلى مكان آخر.

الساحات عرفتنا بعضنا إلى بعض وسمحت بأن نتعاون. وهذا كان قبل 17 تشرين الأول 2019 صعباً. والاختلاف من السلبيات، لكن يجب أن نناقش في خلافاتنا. والفرز مهم لأنه يوضح الرؤية في الشعارات المرفوعة. وكلما زاد الفرز زاد الاستقطاب وزاد التأسيس لعمل سياسي.

المكتسب الأوّل من انتفاضة 17 تشرين هو قدرتنا على تجاوزها

هادي مجدلاني

نَشهد حالة اختناق تامّة. اختناق لا نتّفق في تحديد مرتكبه ولا يتوقّف عند القدرة على هذا التحديد. تَشعر الفئات الشعبيّة المُفقَرة بالعجز أمام هذه الظّروف وتُدرك هذا العجز فتَعترفُ بهِ- على عكس كثير من المجموعات السياسيّة الناشئة بعد انتفاضة تشرين الأول 2019- لتلجأ هذه الفئات إلى أقرب فهم جماعي ممكن لهذا الخنق يوفّره عادةً الخطاب العام للسلطة وإعلامها.

أمام هذا العَجز وانسداد الأفق مجتمعياً وفي رهن اشتداد الخنق على النّاس، تصير كل ردّات الفعل الشعبيّة معقولة ومشروعة لا يتحمّل نتائجها غير مسبّب أوجاعهم والمتخاذل عنها.

لأحياء طرابلس خصوصيتها وظروفها، تخدير أهلها بشعارات فارغة والخوف من الآخر وصناديق الإعاشة، إلى حدّ ما، لم يعُد ينفَع. منع لقمة العيش، الإذلال المتواصل لهم وحرّياتهم ثم الاستخفاف بآلامهم، من الطبيعي أن تردّه الأحياء بالرّفض. لكن، ينبغي علينا ألا ننجر كثيراً في خصوصيّة طرابلس فتنقطع بذلك القدرة على تجميع صورة المشهد العام. إذ تشهد المناطق الأخرى بعض المشاهد الاحتجاجيّة ولو بوتيرة أخف، لكن مع غياب الحلول وتضخم الضغط على الطبقات الشعبيّة المُفقرة، ومع انعدام القدرة لدى أي قوى سياسيّة تغييريّة، لا مستقبل لتحركات طرابلس والمناطق الأخرى، باعتبارها هبّات تشتعل ثم تخمد، سياق مفهوم.

في البدء، إنّ إعطاء الأحداث التي يُعايشها بالمباشر سكّان رقعة جغرافية محدّدة- طرابلس- طابعاً تآمرياً أو وضعه في سياق مخطّط شامل إقليمي/ دولي يسلبهم القدرة على التحليل والتفاعل مع الحدث الواقع أمام أعينهم، بل ربّما في طور خوضهم إيّاه، إيهامهم بأنّهم منزوعو القدرة الذاتيّة على أيّ فعل أو تأثير، وبالتالي فقدان إرادة التغيير والانخراط بالعمل السياسي.

احتراق مبنى البلديّة، سواء رحّبنا به أو استنكرناه، علينا تقبّل أن رأينا لا جدوى لهُ وأن الأحداث لن تكون على مقاسنا. نظرة مَن يملك رفاهيّة الإعجاب بالهندسة المعماريّة لمبنى البلديّة تختلف عن نظرة من كسرت لهم شرطتها بسطات الخضار، وبالتأكيد ردّة الفعل.

ثم، في حال كان احتراق البلديّة عملًا ممنهجاً من قبل الأجهزة، أليس الهرع من بعد الحادثة لمطالبة الأجهزة نفسها بالتّحقيق والقصاص مثيراً للريبة؟

أمّا السلطة، فهي ليست بحاجة إلى ذريعة لسحق أي حراك شعبي، تستطيع بكل شراستها استخدام العنف المفرط لقمع الاحتجاجات، وعسكرة المدينة، واعتقال المشاركين وتهديدهم، حتّى في الأيّام السابقة لاحتراق مبنى البلدية.

تحاول ما يُسمّى الزّعامات السياسيّة، أي زعامات عصابات المدينة، كلٌّ حسب نفوذها وامتداد شبكتها الزبائنيّة، المحافظة على استقرار وجودها في المدينة، عبر بعض البيانات والتطبيل اللذين ما عادا يشكّلان تأثيراً على المُتلقّين من سكّان المدينة. وفي كل احتجاج شعبي، تُحاول كل القوى استثماره لمصلحتها وتقويض نتائجه، إمّا لزيادة موازين قوّتها أو لإضعاف موازين قوة أخصامها في السلطة. لا يستدعي ذلك منّا تخوين الشّارع والنفور منه، بل العكس، يتطلّب تدارك الوضع والوجود فيه بيقظةٍ لكفّ عبثها واستثمارها فيه. وهذا ممكن.

والدّولة في بُنيتها، لا تعرف مرادفاً معجميّاً للأمن، غير القمع واستخدام أجهزتها لتلفيق الملفّات وترهيب المعارضين واعتقالهم فيجاريها في معجمها ويتبنّاه بعض مُدّعي معارضتها. أمّا ما علينا اعتباره أمناً والعمل على تحقيقه فليس الأمن السلبي، أمن القمع والاستخبار، بل الأمن الاقتصادي والاجتماعي، أي الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل والتعليم للمحرومين منه. فمن دون هذه المقوّمات لا إمكانية لاستقرار.

لم تتبلوَر بَعد بشكل واضح مجموعات سياسية ناضجة في المدينة، فغالبية المجموعات تشكّلت ضمن ظروف انتفاضة 2019. ولعوامل عدّة من ضمنها تغييب السياسة بمعناها الفعلي عن المدينة لعقود، تواجه هذه المجموعات صعوبات في قدرتها التنظيميّة وفي قدرتها على إنتاج فكر سياسي، أبعد من الشعارات، يحدّد موقعها. وانعكس هذا مع تعاطي عدد من المجموعات عند نشوب الاحتجاجات الشعبيّة أخيراً، إذ انكفأت هي التي كانت تدعو “النّاس” إلى “الثّورة والغضب” وتنظّر من وراء الشّاشات على المحتجّين والمحتجّات فتتفاعل بحماسة/ قلق تجاه الحدث.

يعود هذا إلى أن هذا النّوع من المجموعات بعيد في فكره وموقعه من أهالي الأحياء، من دون الاعتراف بهذا الموقع الاجتماعي المُغاير. ليست تنظيمات سياسيّة بل مجرّد جلسات وِنس لناشطين يبحثون عن مكان شاغر- نتيجة الفراغ السّياسي- ضمن هذه الصّورة لاحتلاله.

لا ينفي هذا محاولات وجهود فعليّة من قبل أفراد ومجموعات، أو وجود أصحاب النيات الصّادقة، لكن ليس بالنيات وحدها تتشكّل التنظيمات السياسيّة القادرة على التمايز ومواجهة النّظام.

أمام الحراك الشّعبي في المدينة فمحطّة أساسيّة لتجاوز حركته باعتبارها هبّات لا تلبث أن تخمد، وهي التنظيم. إنشاء تنظيمات متماسكة قائمة على نقاشات وقناعات فعليّة وتمثيل مصالح سياسيّة واضحة. تحطيم كاميرات إعلام السّلطة وخلق إعلام بديل، رفض عسكرة المدينة ومواجهتها، فرز الشّارع، تأسيس لجان شعبية تحمل مشاكل كل الفئات المهمّشة وقضاياها وربط أي تجاوز للواقع بضرورة إسقاط النظام القائم. ويبقى المكتسب الأوّل من انتفاضة 17 تشرين هو قدرتنا على تجاوزها.

(الصورة: فضل عيتاني)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *