اللقاح الإسرائيلي في الزمن البعثي المستقطع

“سوريا لم تكن يوماً مركزاً للمقاومة، بل نظام محكوم بمصالحه”. ما سبق اقتطاع من سياق طويل كتبه الراحل محمد حسنين هيكل في “وجهات نظر”، من دون أن يسيء الاقتطاع المذكور للمتن الذي سرده هيكل حينها.

وكي لا يؤخذ كلام هيكل على غير ما درج عليه “شيخ الممانعين”، فهو لم يفته في المتن أن يمحض إيران هذه المركزية.

في النظام السوري الكثير مما ذهب إليه صاحب مفهوم “النكسة”، لكن للمرء، وبشيء من سوء الظن، أن يدرج كلام هيكل، وعلى واقعيته طبعاً، بثأر قديم مع حزب “البعث” الحاكم في سوريا، حين اضطلع الأخير بدور محوري في الانفصال الذي ضرب الوحدة المصرية- السورية، في ظلال حكم جمال عبد الناصر، أو ما أطلق عليه حينها الجمهورية العربية المتحدة.

 ومثل هيكل، الذي لم يغادر “الناصرية” حتى بعد اندثارها بعقود، يصير مألوفاً منه أن يُثابر، وهذا جيد، على تجريد النظام السوري من سمات المقاومة والممانعة، التي أكسبته “صيتاً” وازناً في عالم عربي لم تعد تغريه هذه” الفضائل” التي لم تكن أصلاً تُغريه في زمن الناصرية وسيدها.

يعزز هذا الظن أن محمد حسنين هيكل، وفي “وجهات نظر” أيضاً، شكك في ما اصطلح على تسميتها “وديعة رابين” التي رفعها النظام السوري كدالة على التفاوض المشرف مع إسرائيل، وهو كتب حينها أنه جالس حافظ الأسد لساعات خمس، وخرج بانطباع أن الوديعة المذكورة هي في عقل حافظ الأسد أكثر مما هي في الواقع الذي صنعته المفاوضات السورية- الإسرائيلية في “شيبردستاون”.

“سوريا لم تكن يوماً مركزاً للمقاومة، بل نظام محكوم بمصالحه”.

عموماً، ما سبق ضروري لفهم ما نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن إدراج كميات من اللقاح الروسي ضمن صفقة التبادل التي أفضت بتسليم سوريا فتاة إسرائيلية دخلت الأراضي السورية لدواع “عاطفية” على ما قيل، وإفراج إسرائيل عن راعيين سوريين وفتاة درزية محتجزين لديها، والضرورة هنا تكمن في ما يُتيحه قارئ لعقل النظام السوري كان تماماً في صلب المحور الذي لا يزال يُبشر بعداوة مستفيضة مع إسرائيل.

إن نظاماً محكوماً بالمصالح إذاً لا يباشرها راهناً، لكنها سياق سلك مساره منذ عقود، وهو شيء ألفه اللبنانيون حين تحول الكثير من حروبهم ومقاوماتهم أوراقاً ثمينة لطالما استثمر فيها بما تقتضيه مصالحه لا مصالح اللبنانيين، وهو استثمار كان باشر طلائعه مع الفلسطينيين قبلنا، وبالوقائع ذاتها، وهو ما يشي به كره هذا النظام لياسر عرفات الذي تنكب مشقة استقلال القرار الفلسطيني عن النظام السوري حين ذهب إلى “اتفاق أوسلو” الذي كان المسمار الأول في وحدة المسارات التفاوضية بين العرب وإسرائيل، والتي كانت بدعة ذلك النظام، قبل أن يدفن هذا التلازم قرار إيهود باراك بالانسحاب من لبنان.

والحال، لا يُعاب على نظام متهافت أصلاً، وذات نزعة نفعية على ما سرده هيكل، ويبحث عن طوق نجاة ولو إسرائيلياً، أن يكون اللقاح الروسي سعفته الصحية هذه المرة، طالما أنه يأتي في سياق تبادل أسرى يمكن إدراجه كحاضر مستمد من ماضي الصراع السوري- الإسرائيلي، على ما درجت عليه لغة الممانعين، لكن المفارقة أنه فيما يستدرج إلى الصفقة بُعداً إنسانياً، يبقى ذلك مفترضاً، طالما أن مآله سيكون على النظام لا على الشعب السوري، وفي سريته ما يرفد هذا الافتراض، فإن وقائعه تتقابل إنما طرداً، مع تعسف إسرائيلي يتنكبه فلسطينيو الضفة الغربية شحاً إسرائيلياً في اللقاح، في مقابل منعه عن قطاع غزة. وبذلك سيكون مسعف ذاك المحور في تبرير صمته  أمام “التطبيع الصحي” للنظام السوري، تبريراً تعسفياً يُكثف ممانعته بما ينزع عنه رذيلة أخرى عابرة أمام وجهة نظر غير محكومة بالود، تجاه ما يدرأ نكسة الناس بجائحة العصر إلا إذا كان اللقاح ممانعاً، ومركزيته تماماً هي التي محضها محمد حسنين هيكل ذات يوم لإيران.

إقرأوا أيضاً:

Leave a Reply

Your email address will not be published.