انتصار محمد الزيات وهزيمة رفاقه

عماد الدين رائف

يوم طُلب مني في جريدة “السفير” أن أكتب قطعة لمناسبة مرور أربعين على تأسيسها، وكنت رئيس قسم المناطق فيها، اخترت أن أكتب عن المراسلين وتفانيهم في العمل وظروفه، ولمّا وصلت إلى الجنوب في التعداد كنّيت صور باسم محمد الزيات! صور تلك، خارجة من أحاديث والدي القومي العربي، الرياضي التضامني، رفيق القائد الشاب الممتلئ حيوية الذي كان يطل من صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود، وكان والدي يسترسل في الحديث عنه حتى غدا والمدينة متلاصقين لفظًا ومعنى. ولدا في العام نفسه وهجرها أبي مع رحيل رفيقه المبكر سنة 1961. رحل إلى مصر عبد الناصر ولم يتركها إلا بعد حضور جنازته سنة 1970. وبقي محمد الزيات شابًا حاضرًا في الأحاديث اليومية، وبقيت تلك المدينة جامدة في زمن ماض لم تتأثر صورتها بأي متغيرات.

تخرج المدينة من مشاهد فوتوغرافية (معظمها بعدسة محمد الترجمان): ملعب البصّ وخلفيته أشجار زيتون كانت تظلل بيوت الأرمن فاستقبلت الفلسطينيين، “نادي التضامن” بدرجه الطويل وطاولة البلياردو “تلات طابات” ثم بالثقوب التي أحدثتها قذائف الجيش الزاحف لحماية الإقطاع، متاريس ثورة الـ 58 وشبان يحملون ما تيسر من أسلحة وخلفهم لافتة “جاء الموت إلى متاريسنا فوجد أبطالا فهرب”.. شبان يتناوبون على حمل رشاشات “الستن” و”البرن” و”الأف إم” وبضع قنابل مستديرة كان والدي ورفاقه قد أتوا بها من دمشق برحلة طويلة سيرا على الأقدام، لقاءات واعتصامات وتظاهرات ومسيرات وحفلات تأبينية… وصولا إلى مشهد وفد المدينة الزاحف إلى الشام لاستقبال عبد الناصر والاحتفاء بالوحدة. يتكرر في تلك المشاهد وجه محمد الزيات بنظرة ثاقبة ووقار مبكر، رافعًا قبضته خطيبًا على منبر أو بين جموع الناس. وحين لا يكون محمد في الصورة، كما في المخيم التدريبي في جزين (1956)، ووفد “حركة القوميين العرب” المشارك في مهرجان الشباب والطلاب الدولي السادس في موسكو (1957)، أو اعتقالات أبناء المدينة واقتيادهم إلى صيدا.. أو حتى في مشاهد لا صور فوتوغرافية لها، في ميكروفون الجامع الذي يبث نشرة أخبار المدينة المنتفضة، في التعليق السياسي، في الأرجوزات العامية القصيرة التي يتناقلها ابناء المدينة في حصارهم فتشد أزرهم أو تستهزئ بالإقطاع وزبانيته… تشعر بحضوره الطاغي في عقدين من الزمن قضاهما مناضلا بين أزقة الحارة القديمة وقرى قضاء صور.

ولد محمد الزيات في زمن تألق الموجات القومية ونضوجها، كخيار سياسي وكبديل عن منظومات الاقطاع في الشرق والتبعية المباشرة للغرب. وقد تقاسمت المشهد العام في لبنان حركتان قوميتان: العربية والسورية، وإلى جانبهما بحجم ضئيل القومية اللبنانية التي شحنها الاحتلال الفرنسي وألبسها لغته وثقافته. وردت في كتاب “الربيع بالأبيض والأسود” (ع. سعيد، د.ت.، دار الأرقم، 172 ص). شهادات رفاق محمد الزيات. في البدايات، تأثر محمد، وفق شهادة رفيقه ياسر نعمة (ص 40)، بآراء رفيقين فلسطينيين من الناصرة والبصّة، وبدأ رحلته في إنشاء خلية سرية للقوميين العرب، ثم ما لبث أن سطع نجمه بسرعة للتحول الخلية إلى منظمة وتستقطب الشباب وقلوب سكان المدينة وتضامنهم معها. بالتوازي، استقطب نادي التضامن الرياضي (معقل القوميين العرب في المدينة) وجوها نضالية من مدن عربية مختلفة، وكانت المظلة القومية تتسع مع انتصار عبد الناصر في العدوان الثلاثي (1956)، وفي إعلانه “الجمهورية العربية المتحدة” (1958)، وكانت المدن اللبنانية تتفاعل بوتيرة سريعة مع “العروبة” وقائدها الذي وحد قطرين عربيين سعياً إلى توحيد باقي الأقطار التي تنامت فيها قوة “الحركة”. كان زمن انتصارات. وأتى حصار صور في ثورة 1958 ليجسد ذروة ما في مسار الصراع “بين القديم والجديد”. كثيرون من أبناء المدينة لم ينضموا إلى صفوف “الحركة” كتنظيم، لكنهم دعموها كبارقة أمل نحو عودة “المجد التليد”. في ذلك الجو بات محمد معروفاً على صعيد الوطن وخارجه كقائد عروبي شاب، وخاض باسم “الحركة” انتخابات نيابية (1960) حظي فيها بأصوات الناس، لكنها “زوّرت” كما هي حال أي عملية انتخابية لا تصبّ في مصلحة القوى المهيمنة على البلاد. رحل محمد سريعًا بعد تلك الانتخابات، خانه جسده، قضى بين يدي رفيقه وديع حداد. شيّعه لبنان، وشيعته صور بمسيرة مهيبة، كان في صفوفها الأولى قياديو القوميين العرب وإلى جانبهم السيد موسى الصدر الذي لم يمض وقت طويل على وصوله إلى لبنان. رحل محمد الزيات منتصراً، أو كما نقل عن حداد قوله: “نيّال محمد، الوحيد بيننا الذي عاش انتصارات هذه الأمة”. (ص 48). بعد رحيل محمد حلّت المآسي: هزيمة لطفت باسم “النكسة” (1967) تبعها تشظي القوميين العرب إلى جبهات وأحزاب وحركات، وخسارة الأرض (1973)، وهرولة “الخائن إلى الغاصب” (1977)، وسقوط أول عاصمة عربية بيد المحتل (1982)… وتشرذم الأمة بمفهومها القومي، وإعادة إنتاج القبلية والمذهبية والطائفية ودكاكينها، والمتاجرة العلنية بقضية فلسطين وحقوق ناسها. وعاش رفاقه يوميات تلك المآسي منهم من غلبته الحياة فصمت وانزوى، أو تلطى بعباءة الأمر الواقع الثقيلة، ومنهم “من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا”.

يوم حللتُ في المدينة قبل سنوات، حضر في ذهني ذلك “الشاب الرقيق الجميل الأشقر ذو العينين الزرقاوين والقسمات الحلوة المتناسقة” (ص 47)، كنت أظن أن كل ما تبقى منه شارع يحمل اسمه ولوحة تذكارية على مدخل بيته. إلا أنني كنت مخطئاً. كان عليّ أن أقيم في المدينة، أن أحدق أكثر وأن أنصت أكثر، فالاقطاع الجديد ليس إلا نسخة أكثر تعقيدًا وقسوة من القديم أما الصبغة المذهبية فغير متماسكة، غير متجانسة مع طبيعة المدينة وزائلة. ترى محمد الزيات في بريق عيون من بقي من جيله على قيد الحياة أو من كان طفلا أثناء انتفاضة صور أو من سمع من ذلك الجيل عن صمود مدينة متوسطية صغيرة وقتالها في وجه “حلف بغداد”. تراه يومياً في تمرّد شاب أو صبيّة على واقعهما المرّ المرهق هنا، وتفلّتهما من قبضة الإقطاع السياسي المالي المتوحش هناك، أو كفرهما بترييف المدينة وسحق روحها هنالك… حتى لو لم يسمعا بشاب مثلهما عاش في أزقة الحارة قبل ستة عقود، وقال للظالم: لا! ومضى إلى قدره.

Leave a Reply

Your email address will not be published.