التلوث النفطي وآثاره على الموائل الطبيعية

هشام يونس

كثيرة هي الدراسات التي تناولت الآثار البيئية والصحية والاجتماعية والاقتصادية للتلوث النفطي، نظراً لمخاطره وتداعياته قريبة الأجل، والأخطر منها البعيدة الأجل وما تتسبب به من إخلال وتقويض للنظم البيئية البحرية والشاطئية، خصوصاً تلك الأكثر حساسية وتعقيداً من بينها، مثل الأراضي الرطبة (سواحل مدينة صور وجزر النخل في الشمال) وموائل الأيكة الساحلية (Mangrove) والشعاب المرجانية، فضلاً عن ملاذات وحاضنات الأنواع المختلفة (مثل أسماك القرش)، والمخاطر القاتلة التي تتعرض لها عشرات الأنواع المختلفة في السلسلة الغذائية البحرية.

والآن، بلغ التسرب النفطي السواحل اللبنانية الجنوبية والحق أضراراً واسعة في المنطقة الممتدة من الناقورة إلى عدلون، مروراً بحمى المنصوري ومحمية شاطئ صور الطبيعية ومحمية شاطئ البقبوق الطبيعية. فضلاً عن مساحة واسعة من الساحل الفلسطيني تجاوزت 170 كلم، بحسب ما أشارت إليه الصحف. وفيما يُجري المركز الوطني لعلوم البحار كشفاً على السواحل، يدرس المجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS) (يتبع له المركز آنف الذكر) عينات ويفترض أن يعد تقريراً.

بداية، ينبغي عدم استبعاد أي فرضية في شأن التسبب بالحادث الكارثي هذا. ولذلك أسباب عدة، من بينها أن الرواية الشائعة عن مسؤولية بواخر، مجهولة الهوية حتى الساعة، كانت تعبر في المياه الإقليمية، هي رواية سارعت إسرائيل إلى تعميمها في لحظة مفاجأة التسرب النفطي الدوائر الإسرائيلية المختلفة. وقد عزت ذلك إلى العاصفة. وإن يكن هذا الأمر وارداً، إلا أن حكومة الاحتلال فشلت منذ الأربعاء (17 شباط)، تاريخ بدء التسرب، بتقديم معطيات واضحة في شأن هوية تلك البواخر. وكان مثيراً للريبة قرار وزارة البيئة حظر التداول بمجريات التحقيق الجاري قبل أن تقرر محكمة الصلح في حيفا رفعاً جزئياً عن سير التحقيق لا يتضمن تناول هوية البواخر بناء على طعن وجه من صحف ومجموعات ناشطة.

الآثار والتداعيات

في انتظار إنجاز مسح شامل يتناول حجم التلوث، كمّاً وكثافة، وانتشاره ومكونات المواد الملوثة، كي يُبنى عليه تقييم أشمل للآثار والتداعيات، يمكن أن نعدد بعضاً من المخاطر التي يشكلها التسرب، الذي يعد أخطر أنواع التحديات التي قد يواجهها نظام بيئي بحري. فالتسرّب قد يخلف، تبعاً لكثافته في البحر وحجمه وطول أمده، تغيرات جيوكيميائية تطاول الرواسب في القاع (وهنا تكمن ضرورة التحرك بشكل سريع لإزالة المخلفات). وهذا ما يجعل الآثار أبعد على النظام البيئي. وهو موضوع لن نتطرق إليه في هذه العجالة.

لا بأس من التذكير بأن هذه الكارثة تأتي بعد مرور قرابة خمسة عشر عاماً على أخطر كارثة شهدها البحر اللبناني على الإطلاق بعد تسرب الوقود الثقيل من خزانات محطة الجية للطاقة الحرارية أثناء عدوان تموز 2006 على أثر استهدافها من قبل الطائرات الإسرائيلية. وهو ما أدى إلى تسرب ما بين 12– 15 ألف طن من زيت الوقود الثقيل، بحسب وزارة البيئة، فيما ذهبت تقارير مختلفة إلى أن الكمية المتسربة تجاوزت ضعف تلك الكمية. وطاولت بقعة الزيت الكثيف، حينذاك، أكثر من ثلثي الساحل اللبناني (أكثر من 150 كلم، بحسب البيئة)، وخلفت أضراراً جسيمة بالموائل الطبيعية والشواطئ ومصائد الأسماك والمواقع الثقافية. ولا تزال بعض المواقع ترزح تحت آًثار الضرر والمتغيرات اللذين خلفتهما تلك الكارثة.

ينال التلوث من النظام البيئي بشكل شامل. وهنا أهمية التعرف إلى عناصره ودرجة السمية. ينال من من العوالق (النباتية والحيوانية) والطحالب واليرقات وأنواع اللافقاريات التي تشكل مادة غذاء رئيسية لأنواع مختلفة من الأسماك. بالتالي، يؤدي إلى تسممها. وسرعان ما يصيب كامل أعضاء السلسلة الغذائية، بما في ذلك الطيور والثديات المختلفة، ومنها العظيمة مثل الحوت الزعنفي الذي قضى على شواطئ عسقلان تسمماً.

والأكثر عرضة من بين تلك الأنواع، التي تقع في شرك الإتصال المباشر مع بقع الزيت الطافي. وهذا ما يجعل السلاحف البحرية في مناطقنا الأكثر عرضة، ثم الطيور البحرية. فربما تعلق السلاحف الحديثة الولادة، والبالغة ايضاً، بالزيت العائم، وقد تتناوله ظناً منها أنه طعام أو في موضع التذوق، فيؤدي إلى تسممها وموتها أو إلى إحداث مشاكل عضوية مزمنة. فيما يقضي الزيت الذي يلوث أجنحة الطير البحرية وريشها على كفاءتها العازلة للماء، فتصبح غير قادرة على الحركة، وربما تموت جراء انخفاض حرارة الجسم أو جراء التسمم الذي قد يصيبها أثناء محاولة التخلص من الزيت العالق.

حتى تلك الحيوانات البحرية الناجية، التي عانت من نسب أقل حدية في التسمم، وجدت دراسات أنها تعاني من آثار عضوية وظائفية مزمنة، ومن تغير في السلوكيات تجعلها أقل كفاءة وحيلة أمام المفترسات أو في بحثها عن طعام أو طرائد.

ويؤثر التلوث على الأسماك بشكل مباشر، إذ تمتصه من خلال خياشيمها أو من خلال تناول العوالق المسمة. وينال من بيضها ويفتك باليرقات. لهذا السبب، تعاني المواقع التي ينالها التلوث النفطي من تراجع في تنوع الحياة البحرية لفترات طويلة.

ولهذا، بالتالي، أثار كبيرة على مصائد الأسماك وحرفة صيد السمك والمجتمعات الساحلية. ويتزايد الأثر بفعل عاملين: حجم الضرر وتحديات إعادة تأهيل الموائل الطبيعية من جهة، والنسبة التي تمثلها هذه الشريحة من البنية الاقتصادية والاجتماعية المحلية من جهة أخرى، كما هي الحال في مدينة صور، على سبيل المثال، حيث تشكل هذه الحرفة القديمة أكبر تجمع حرفي في المدينة والمحيط مع وجود نحو خمسمئة عائلة تعتاش منها.

وعلى الشاطئ، تشكل هذه الزيوت الثقيلة اللزجة موادَ معوقة وملوثة للمحيط البيئي تقضي على النباتات المختلفة، من النباتات والزواحف والحشرات، وتعرض الحيوانات الناشطة للمخاطر والموت. وهي تقوّض أي فرصة لتعشيش السلاحف البحرية على الشواطئ الرملية، وتعرض أناث السلاحف البالغة القاصدة للشاطئ للخطر، كما تقضي على فرص خروج آمن لصغار السلاحف بعد انقضاء فترة التعشيش.

من الضرورة بمكان المسارعة إلى اتخاذ إجراءات إزالة مخلفات التسرب النفطي عن الشاطئ وفي المياه، للحد من الأضرار وتفاقمها. وفي إمكان وزارة البيئة، مع الحاجة إلى تضافر الجهود، لعب دور مهم بالاستناد إلى تجربتها بعد تسرب معمل الجيه في 2006.

 وبالتزامن، على الحكومة دراسة سبل إجراء المنظمة البحرية الدولية (IMO) تحقيقاً، أو بمساعدتها، وعدم الركون إلى الرواية الإسرائيلية.

(ناشط وباحث بيئي)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *