غضب كبير يعتصرني

هشام مروة

لطالما عشنا في بلد مأزوم، بلد تتحكّم فيه الأزمات، سياسيّة كانت، أم أخلاقية، اجتماعية، اقتصادية، مالية، بيئية، أو كلها معاً، كما هي حالنا اليوم.

في خضمّ هذه الأزمات أتتنا الأزمة الصحية، جائحة الكورونا وأزمتها. وكبقية الأزمات، بدأت في الخارج ثمّ انتقلت إلينا في الداخل. ولم نحسن إدارتها، بل تحوّلنا إلى طليعة المتأثرين بها. لم نقبل التشبّه بأيّ نموذج، فكان لنا نموذجنا الخاص، فاق كلّ نماذج العالم، فكنا كعادتنا في طليعة المتأثرين واحتللنا المراكز الأولى ولكن في المؤخرة.

وبما أننا نعيش بلا دولة، قررنا، بما أننا لا نستطيع حلّ كل الأزمات في الوقت نفسه، وأن نحلها أزمة تلو أخرى بدءاً بما نعتقده الأهم.

ولأننا شعب يحب الحياة، وفي المناسبة، هي تليق بنا، قررنا أن نرفع شعار “كورونا أولاً” ونبحث عن حلّ، فقابلنا في طريقنا “متذاكين” يقولون “ما في كورونا”، هذه مؤامرة دولية، وطفيليات تحاول الاستفادة، فتعلن عن امتلاك علاج سحري، حتى وصلنا إلى يقين أنّه لا بد من التعايش مع كورونا. ولكي نتعايش معها، لا بديل من لبس الكمامة والتباعد الاجتماعي والتلقيح.

قبلنا التزام حجورنا، وقسمة لقمتنا مع أولادنا، عفّنا خلال الجلوس على الأريكة نفسها، وقبلنا حفاظاً على حياتنا وحياة عائلاتنا وأهلنا.

لم ينجُ بيت لبناني من تداعيات الأزمة، ولكنا تحمّلنا في انتظار الحل.

لعبت بعقولنا نظريات المؤامرة، أدخلنا السياسة الدولية وسياسة المحاور في الأزمة، ورحنا نتساءل هل اللقاح الاميركي أم الروسي، الغربي أم الشرقي، هو الأفضل؟

شكّكنا بسرعة ابتكار اللقاح، وتوجسنا من عوارضه الجانبية، ومع هذا كله انتظرناه.

لقّحت بعض الدول أكثر من نصف شعبها، والبعض الآخر بدأ بتنفيذ خطته التلقيحية، في الوقت الذي كانت فيه سلطتنا تبيعنا كلاماً ووعوداً عن خططٍ وتمويلٍ ونومٍ في العسل.

إلى أن جاء اليوم الموعود، فأقامت منظومتنا حفل استقبال لبضعة آلاف من اللقاحات، دعت إليه جميع وسائل الإعلام، فكان احتفالاً جماهيرياً سرحت فيه العدوى.

وصل اللقاح أخيراً. هللوا. بدأ تنفيذ الخطة. وكان جلياً مدى تعثرها. ولكننا كالعادة محكومون بالأمل نقول غداً ستتحسن الأمور.

سجلنا أسماء كبارنا على المنصة، معتبرين أنّهم الأحق حالياً، فأجسامنا قد تتحمل أكثر منهم. اعترفنا بأحقية القطاع الطبي بالتلقيح أولاً، فهو خط الدفاع الأول. وأملنا خيراً بحياة ستعود إلى طبيعتها على المستوى الصحي، لنبدأ بالاهتمام بأزمات أخرى. وبعدما كنا نتابع أرقام الإصابات، وعدد الوفيات، زدنا عليهم أرقام الملقّحين.

وإذ في غفلة من الزمن، يتم تلقيح نواب في مبنى المجلس النيابي، نواب الغفلة.

لن أقول إن معظمهم لا يصلح أن يكون مختاراً أو عضواً بلدياً في قريته، ولا حتى عضو لجنة بناية حيث يسكن.

لن أتحدث عن كسل أبطال العالم بركوب البوسطات والمحادل، وعدم قيامهم بالحد الأدنى كمشرّعين ومحاسبين طيلة فترة نيابتهم.

لن أبحث في عدد الأصوات التفضيلية التي نالوها من خلال قانون انتخابي فصّل على قياسهم.

لن اكترث إذا ما أخذوا اللقاحات وحدهم أو مع زوجاتهم، كما تقول الروايات. ولن أقول عشيقاتهم، لأنهم ليسوا قادرين على إرضاء عشيقات.

لا يعنيني القول إن ما فعلوه ليس غير قانوني فحسب، ولكنه أيضاً خطر على صحتهم، فلو قدر الله وأصيبوا بمضاعفات اللقاح لما استطاعت سيارة الصليب الأحمر الوحيدة في المجلس انقاذهم.

لا يهمني سكوت بعضهم وقد احترف الصمت عبر ولاياته المتوالية، ولا بيانات الاعتذار والتبرير لبعضهم الآخر، وهي أعذار أقبح من ذنب. ولن أذكر الفاجرين منهم، الذين اعتبروا التلقيح حقهم، ولا حتى اسخفهم، نائب رئيسهم، الذي حاول تصوير نفسه بطلاً اكتشف مؤامرة دولية يقودها البنك الدولي تدور حوله.

ما يعنيني سؤال واحد: “من أخبرهم أنهم أهم من غيرهم؟”.

من أخبرهم أنهم أعلى كعباً؟ من قال لهم أنهم أهم من مطلق جدّ أو جدّة في آخر دسكرة من هذا البلد؟

وها هو “بيّ الكل” يتلقى اللقاح مع زوجته ومساعديه. لا شكّ في أنّ عمره يخوله أخذ اللقاح ولا يخوله ترؤس الجمهورية، لكن ما قصة المساعدين؟ وما هذا التبرير الخنفشاري، بأنه لا بد من تلقيحهم كي لا يعدوه؟

ما جرى في بعبدا، وفي ساحة النجمة، هو الجريمة نفسها، جريمة سرقة موصوفة للقاح، سبقتها سرقة موصوفة لوطن، والفاعل دائما هو هو.

لكنهم لا يخشون المحاسبة، لضمانهم أن “المحاسبين إما من زبائنهم وإما هم أضعف من أن يحاسِبوا، لكنّهم والحق يُقال حافظوا على ميثاقيّة “6 و6 مكرر”.

غضب كبير يعتصرني، غصة في حلقي، وضيق نفس. أعرف أنكم تعانون من العوارض نفسها، لا تنفسوا عن غضبكم وغضبنا بطريقة سطحية، تزيد الإحباط احباطاً، بل اكظموه، وراكموه، وحافظوا عليه، فسنحتاج إليه لاحقاً في صراعنا مع المنظومة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *