كيف اختفت شركة “بروتيين”؟

سعيد عيسى

مياه كثيرة جَرَت خلال الأعوام الـ46 التي مرّت على اغتيال معروف سعد في 26 شباط 1975 (توفي في المستشفى في 6 آذار 1975)، تغيّرت البلاد وانقلبت رأساً على عقب، تغيّر الدستور، ليعكس موازين القوى التي استجدت خلال الحرب الأهلية، لكنّ موازين القوى الاجتماعية- الاقتصادية التي مرّرت قتل زعيم شعبي بقيت واستمرت، لا بل تصدّرت المشهد منذ انتهاء الحرب.

في التاريخ الآنف الذكر، سارت تظاهرة للصيادين على طول الساحل اللبناني، من طرابلس إلى جبيل فالدورة مروراً ببيروت وصيدا وصولاً إلى صور، احتجاجاً على منح شركة “بروتيين” امتيازاً لاحتكار صيد الأسماك، بواسطة بواخر صيد حديثة، فرأى الصيادون في ذلك تهديداً لمصيرهم، وقطعاً لأرزاقهم، رافضين ما عرض عليهم من تعويضات، لا تقيهم شرّ التشرّد والبطالة التي سيصبحون عليها، فيما لو أذعنوا للشركة وانصاعوا لرغباتها.

وقد أظهرت الشركة تمتعها بنفوذ كبير، إذ كان رئيس الجمهورية الأسبق كميل شمعون رئيس مجلس إدارتها، وضمّت عدداً من رجال الأعمال في مقدّمهم أمين عور، مؤسس الشركة وأحد كبار تجار المواد الغذائية في لبنان آنذاك.

قبل كتابة هذه المقالة، حاولت التقصّي عن الشركة وأعضاء مجلس إدارتها، الذين لم يظهر منهم في الواجهة سوى شمعون وعور، لكي أمتن الربط وأفككه في آنٍ بين تحالف المال والسياسة، لكنني لم أجد شيئاً يذكر، وكأنّ الشركة قد أسّست لغاية ومن ثمّ حلّت بقرار من مجلس الوزراء آنذاك، وانتهت مع اللحظات التي استشهد فيها معروف سعد. وهكذا فأنّ مؤسسيها ومَن وراءَهم، استمروا مجهولين وغابوا في أتون الحرب الأهلية ومندرجاتها.

لم يجرِ البحث في مدرجات تلك الشركة (بروتيين) وتفكيك خيوطها والاستنتاج منها عما يدور من تحولات ستطبع لاحقاً مرحلة مقبلة، ولا جرى تقصّيها، ولا تحليل هذا النوع من الشركات التي يترأسها رجل سياسة من الصفّ الأوّل آنذاك، ورجال أعمال من الصّفوف الأولى أيضاً، ربما لأنّ الأوضاع آنذاك راحت تتدحرج بسرعة نحو التنازع، فالتناحر والسّلاح، وغرق المحللون في أتون الصراع الذي قسم البلد وقسم معها كلّ شيء، ومن ثمّ دخلت البلاد في نفق مظلم استمر لمدة خمسة عشر عاماً، في ظلّ طغيان الشعارات السياسية الكبرى، واحتلال القضايا القومية، والصراع مع الإمبريالية، والقضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، ومناهضة الرجعية العربية وغيرها من الشعارات. ما جعل هذه القضايا تتقدم على ما عداها.

وهكذا، لم يبق من الشركة الخطيرة والتي دار حولها سجال كبير، لا سيما ما يتعلّق بحقوق الصيّادين وعلاقة السياسة بالأعمال والاحتكار، سوى اسمها وذكرى الأزمة، ودماء معروف سعد.

اللافت في الأمر، أنّه ما إن انتهت الحرب الأهلية مع بداية تسعينيات القرن الماضي، حتى ظهرت من جديد، الشركات التي يتزاوج فيها المال والسياسة، وتصاعد نموّها واتساعها، فقبضت على السلطة، ليس في لبنان فحسب، وإنما صارت نموذجاً يحتذى حكم الإقليم العربي ولا يزال، في مشرقه ومغربه، وتزاوجت السياسة مع المال، وسيطرت على السلطة من أعلاها حتى أدناها.

هل كان اغتيال معروف سعد مؤشّراً لما ستكون عليه أحوال الحكم وقد أخّرتها الحرب قليلاً، وربطوا اغتياله بالصراع السياسي- القومي السائد آنذاك، غافلين عن تطوّرات ستحكم المشهد من لحظة توقف الحرب الأهلية وما زالت؟


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *