هكذا تعلّقت بمعروف سعد

محمد قانصو

كنت في الخامسة عشرة من عمري عام 1972، عندما رأيت معروف سعد للمرة الأولى. كان بيتنا على البحر (في صيدا)، وكان هناك مركز انتخابي قريب من بيتنا هو مدرسة الدوحة. جاء معروف بهدف الدخول إلى المركز بصفته مرشحاً في الانتخابات النيابية، “ما كنا نفهم بالسياسة بوقتها”، ولم نكن نعلم أن السلطة كانت قد اتفقت جميعها على إسقاط معروف سعد في الانتخابات النيابية في ذلك الوقت، وإذ به يتفاجأ بمنعه من الدخول، بقرار من أحد عناصر الدرك، الفرقة 16. “كنا عندما نسمع باسم الفرقة 16 نركض إلى البيت”. وكان لمعروف رأي آخر: صرخ بوجه العسكري مدافعاً” عن حقه في الدخول، وصفعه كفاً طرحه أرضاً” ودخل بالقوة. هكذا تعلقتُ بمعروف سعد.

يروي لي أحد الأشخاص، وكان طالباً في زمن معروف سعد، عن تجربته الطالبية في عهد هذا المناضل، يتحدث: “في الفترة ما بين العامين 1972 و1975، كانت هناك موجة تظاهرات عنوانها القضية المعيشية، ولعبت الحركة الطالبية دوراً بارزاً فيها. فحكومة صائب سلام أُسقطت في الشارع بسبب الغلاء المعيشي وارتفاع سعر البنزين من 7 ليرات إلى 7 ليرات وربع. كنا نردد (كيلو الرز بليرة ونص و4 بيضات بليرة)، كنت أنا الهتّيف (يقولها مع ابتسامة وفخر)، وكان مسؤول الحزب الشيوعي آنذاك محي الدين حشيشو يحملني على كتفيه، وكان أستاذي في المدرسة أيضاً (مادة الأدب العربي). سنة 1975 كانت التحركات شبه يومية. كان معروف سعد ورفاقه يتجمعون في محلّة الشاكرية. ونحن الطلاب نلتحق بهم، وصولاً إلى اليوم المشؤوم 26 شباط، كان يوم أربعاء ماطراً، حسبما أذكر. تزامنت تظاهرة الصيادين مع انعقاد الجمعية العمومية لرابطة الطلاب في مهنية صيدا، فكان الاتفاق أن نتجمّع في ثانوية الزعتري، وننطلق بمسيرة طالبية إلى مهنية صيدا لحضور الاجتماع بهدف توحيد مطالب الطلاب وترتيب أولوياتهم، ومن ثمّ الالتحاق بتظاهرة الصيادين. بعد انتهاء الاجتماع، توجّهنا بمسيرة طالبية حاشدة إلى ساحة النجمة للالتحاق بالصيادين. وصلنا إلى مدرسة المدخل الجنوبي، لنتفاجأ بشبان مسلحين يركضون في اتجاهنا ويطلبون منا الاختباء داخل المدرسة. سألنا عن السبب، فجاء الجواب: أطلَقوا النارَ على معروف سعد!”.

عدنا الى بيوتنا خائفين غاضبين، نسأل كل يوم كيف حاله. وبين “حالته مستقرة” و”تحسن وضعه” و”حالته خطرة”، وصلنا خبر وفاته. الغضبُ عارمٌ. أضخم جنازة في صيدا، والأسف على الشهيد معروف سعد لما يمثل من قيمة جماهيرية ونضالية وإنسانيّة.

قاطعت الراوي سائلاً: “ماذا حدث للتظاهرات؟”.

أجاب منهزماً بصوت خجول تهيمن عليه الحسرة: “تخدّرت!”.

وتابع: “تم توجيه مطالبنا إلى مكان آخر، وصولاً إلى 13 نيسان 1975. من حالة سياسية اجتماعية مطلبية إلى حرب لبنانية فلسطينية تليها حربٌ إسلامية مسيحية”.

خدّروا التحركات، عطّلوا النقابات وأفرغوها، سلّحوا الطلاب، اغتالوا أبَ الفقراء… ها هي شركة الاحتكار أصبحت دولة شرعية اليوم، لكن لا شرعية لمن استباح مصالح الناس ودماء المناضلين. يجب علينا الاستمرار في مقاومتهم. علينا أن نحقق العدالة لمعروف سعد ولكل من سار على طريقه مؤمناً بمسيرته النضالية. علينا أن نسترجع الدولة ومؤسساتها وأجهزتها وأموالها المنهوبة، وتخليصها من الفساد والزبائنية.

قال معروف سعد يوم استشهاده: “سنعارض بالوسائل الديمقراطية المشروعة، سنتظاهر مع أبنائنا وإخواننا رفضا للتسلط والاحتكار والاستبداد، سنتظاهر من أجل حقنا في العيش وركوب البحر وصيد السمك وإعالة الأطفال ودفع أقساط المدارس وإيجارات المنازل”. ردوا عليه بالرصاص القاتل. وها نحن اليوم نثور على حكامنا من دون أن نعلم أننا في لبنان نثور لتحقيق المستحيل لا الممكن.

Leave a Reply

Your email address will not be published.