المصارف في لبنان عشية الحرب وخلالها

إعداد: حسان الزين

بعدما كانت البنوك التجارية في لبنان، قبل الحرب، مستقيلة من أي دور اقتصادي استثماري، تفلّتت في ظل ما يسميه فواز طرابلسي “نظام الحرب: الاقتصاد السياسي للميليشيات”، وفي عهد أمين لجميل “الرئيس البزنس مان”، من سلطة مصرف لبنان (تأسس عام 1964).

وتحوّلت خلال الحرب، ولا سيما بعد الاجتياح الإسرائيلي في 1982، من جهاز “محافظ”  عقيدته واستراتيجيّته الربح المالي وتوثيق الصلة بالمركز العالمي، إلى “ميليشيات” مالية أسهمت في تدمير العملة والاقتصاد الوطنيين.

  1. قبل الحرب

يصف توفيق كسبار سلوك الجهاز المصرفي (مصرف لبنان والبنوك التجارية)، قبل الحرب (1975) بـ”المحافظ”. ويعتبر أن هذا السلوك “يعكس فشل القطاع المصرفي” (“اقتصاد لبنان السياسي 1948- 2002″، الصفحة 241).

يستند حكم كسبار إلى أن القطاع لم يلعب دوراً رئيسيّاً في الاقتصاد وتحريك النمو. فالوظيفتان الرئيسيّتان للبنوك قبل الحرب كانتا: “تمويل الاستيراد وتدوير الودائع بالعملات الأجنبيّة إلى المراكز الماليّة الرئيسية في أوروبا”.

و”الموجودات الخارجية للجهاز المصرفي، التي يتألف معظمها من ذهب المصرف المركزي وودائع المصارف المحليّة لدى المصارف في الخارج، ازدادت بشكل أسرع من الديون على القطاع الخاص. وخلال الفترة 1964- 1974، بلغ معدل ودائع المصارف التجارية مع المصارف المراسلة في الخارج نحو 43% من إجمالي الديون”.

يوضح ذلك أنه على الرغم من توافر إمكانية لدى المصارف للعب دور في الاقتصاد والنمو، إلا أنها آثرت السلوك “المحافظ” الذي يضمن لها الربح ويخدم أصحابها وأعمالهم وارتباطاتهم.

ويلخص كسبار الوضع: “كانت مساهمة المصارف في عملية النمو الاقتصادي عادية قبل عام 1975، وأقل بكثير من طاقتها على لعب دور ريادي في الاقتصاد. وكان النشاط المصرفي يركّز على التجارة والقروض القصيرة الأجل، التي كانت إجمالاً تأخذ شكل حسابات جارية مكشوفة وتسليفات واعتمادات مستندية للاستيراد. وفي ذروة توافر التسهيلات المصرفية لقطاعي الصناعة والزراعة خلال 1972- 1974، وحين كانت حصّة هذين القطاعين 40% من إجمالي العمالة و25% من إجمالي الناتج المحلّي، كانت حصّتهما في المقابل 11% فقط من إجمالي التسليفات المصرفيّة للمقيمين وغير المقيمين على السواء. وحتّى منتصف السبعينيات، لم يكن هناك مزاحمة على الموارد الماليّة بين القطاعين الخاص والعام، خصوصاً أن صافي التسليفات المصرفيّة للحكومة كان لا يزال سلبيّاً منذ الاستقلال، أي أن الحكومة لم تكن تقترض من المصارف”.

و”كانت معظم الائتمانات المصرفية للمؤسسات التجارية تخصص لتمويل رأس المال التشغيلي. أما الأموال للاستثمارات الثابتة فكانت تأتي إجمالاً من الأرباح أو من الأموال الخاصة لرجال الأعمال. والمؤشّر على ضعف الصلة بين المصارف والاستثمار في القطاع الخاص هو أن معدل الائتمانات المصرفية خلال الفترة 1950- 1974 كان يمثل أقل من ثلث إجمالي استثمارات القطاع الخاص” (ص 241).

فعلى الرغم من أن الحجم النقدي للبنان، وفق جورج عشّي (“تاريخ المصارف في لبنان”)، كان “يفوق حجمه الاقتصادي، بمعنى أن مجموع ميزانيّات المصارف كان يفوق حجم الناتج المحلي الإجمالي، إذ بلغ 110% من هذا الناتج مقابل 40% في فرنسا و54% في الولايات المتحدة، وهي ظاهرة تميّز بها لبنان ولم يسبقه إليها سوى سويسرا حيث بلغت 120%”، فإن البنوك لم تفكر في الاقتصاد والنمو، بل بحثت عن “مجال توظيف أموالها خارج حدود بلادها. وكان حجم التوظيفات الخارجية للقطاع المصرفي اللبناني قد ناهز 45% من مجمل توظيفات المصارف، بينما لا يتجاوز هذا المعدل 10% في البلدان المتقدّمة جداً كالولايات المتحدة واليابان وألمانيا” (ص 150).

أزمة بنك إنترا

شهدت تلك المرحلة صعود بنك إنترا الذي “أدار 60% من الاقتصاد اللبناني في حينه”، وفق فواز طرابلسي (الطبقات الاجتماعية في لبنان”، ص 162). فقد توقف في 1966 عن الدفع وانتهت عمليات وضع اليد في 1969.

وكانت تلك “الصدمة المصرفية الكبرى الأولى”، وفق كسبار.

ففي تلك الفترة، بحسب عشي، “كانت لبعض المصارف ممارسات غير سليمة إسوة بما كان يفعله بنك إنترا، خصوصاً في إطار استعمالها للودائع تحت الطلب في استثمارات طويلة الأجل، أو في إطار استعمال موارد البنك من قبل أصحابه، أو في إطار التحرير البهلواني لرأس المال الأساسي، أو للزيادات اللاحقة المفروضة بقانون النقد والتسيف (1963). وقد أدّت هذه الممارسات إبّان أزمة إنترا وحرب الأيّام الستة (حزيران 1967) التي تلتها بعد شهور إلى بروز صعوبات لدى هذه المصارف في تأمين السيولة اللازمة لمواجهة سحوبات المودعين. وتبيّن للسلطات النقدية والرقابيّة أن مصارف لبنانية عدة لم تكن في وضع القدرة على ممارسة نشاطاتها بصورة طبيعية. ولم تنحصر الأزمة في بنك إنترا وحده بل تعدّته إلى عدد من المصارف ثبتت ركاكة أوضاعها عند تفجّر أزمة السيولة لدى إنترا، إذ تناولت السحوبات بعض المصارف المحليّة الأخرى بحيث انخفضت ودائع الجهاز المصرفي اللبناني ككل بنسبة 13%.

و”بالإضافة إلى هذه السحوبات التي أنهكت القطاع، وكانت حصيلتها هروب بعض الأموال إلى الخارج بينما أودع الباقي نقداً في البيوت، نشأت ظاهرة أخرى لا تقلّ أهميّة عنها، وهي سحب الودائع من المصارف اللبنانية الصرفة إلى المصارف الأجنبية العاملة في البلد، مما زاد أوضاع بعض المصارف المحليّة إرباكاً وأدى بها إلى التوقف عن الدفع وبالتالي إلى تطبيق إجراء وضع اليد عليها” (عشي، 132).

ونتيجة ذلك، انخفض عدد البنوك من 86 عام 1966 إلى 74 في نهاية 1974.

“إلا أن السلطات نجحت في احتواء تأثير إفلاس المصارف” (كسبار). وفي حلول عام 1974 كانت مجموعة أكبر عشرة مصارف في لبنان (بالنسبة إلى الودائع) تضم ثلاثة مصارف فقط بسيطرة لبنانية” (كسبار، 239).

بترودولارات واحتكارات وتبعية

يحدد فواز طرابلسي تاريخ أزمة بنك إنترا (1966) افتتاحية لنهج تحول مصارف لبنان إلى “محطة تحويل للبترودولارات نحو الأقنية والشبكات الغربية أكثر منه مركز إيداع لها أو مجال توظيف”. فالفترة تلك التي جعلت لبنان “جسراً بين الشرق والغرب” وممراً إلى “الأقنية والشبكات الغربية” شهدت، وفق طرابلسي، “رفع المصارف في أوروبا والولايات المتحدة نسبة الفوائد على الودائع فيها والضغوط الكبيرة التي مارستها حكومات البلدان العربية على أمراء وملوك الخليج العربي والسعودية لإيداع وتوظيف أموالهم في العواصم الغربية”.

وقد نجم عن تحول لبنان إلى “محطة تحويل” للبترودولارات “مزيداً من إخضاع الاقتصاد اللبناني لرأس المال الأجنبي وتضخيم بنيته الاحتكارية وتدعيم هيمنة المجتمع التجاري- المالي عليه” (“تاريخ لبنان الحديث”، ص 280).

والمشهد وفق طرابلسي كالآتي: “بحلول العام 1969، كانت المصارف غير اللبنانية قد سيطرت على 40% من إجمالي الودائع المصرفية في لبنان. وبعد خمس سنوات من ذلك، تضاعفت النسبة. وفي العام 1970، كان ثلث شركات لبنان المساهمة و20% من الشركات المغفلة ذات رأس المال المختلط قد أضحت فروعاً لشركات أجنبية.

و”هذه التبعية الخارجية للمصارف اللبنانية تركت آثاراً سلبية على تطور البلد الاقتصادي. فعلى الرغم من أن المصارف العاملة في لبنان كانت تملك كتلة نقدية ضخمة تزيد على 6 مليارات دولار أميركي، إلا أنّها بالكاد كانت تساهم في نمو القطاعات الإنتاجية. اقتصرت عمليّاتها الماليّة على المضاربة في العملات الأجنبيّة والتوظيف في سندات الدولة في أوروبا والولايات المتحدة (بلغت قيمتها ملياري ليرة لبنانية عام 1970) وعلى التسليف القصير المدى (60% من إجمالي التسليفات المصرفية عام 1971) أو القروض الدوليّة البعيدة المدى تقدمها المصارف اللبنانية إلى أمثال شركة “رينو” الفرنسية للسيارات أو الحكومة الهندية، حتى أن المصارف اللبنانية كانت تقرض البنك الدولي.

و”لم تخفف تلك التطورات من الطابع الاحتكاري لسيطرة الأوليغارشية التجارية- المالية على فروع الاقتصاد اللبناني كلّه بل أسهمت في تعزيزها. في التجارة، يبيّن مسح أجري عام 1973 أن 14 أسرة، من أصل 800 هي مجموع الأسر المساهمة في الشركات المساهمة، تسيطر على أكثرية الأسهم في 103 من تلك الشركات العاملة في التجارة والخدمات، أي على ثلث المجموع وعلى ما يوازي 70% من عمليّاتها الماليّة. وخمس أسر من الـ41 أسرة تحتكر نصف تجارة الاستيراد والتصدير، وخمسة وكلاء للشركات الأوروبية والأميركية يستأثرون بـ22% من المستوردات من تلك البلدان فيما 20 تاجراً يحتكرون 85% من إجمالي مستوردات المواد الغذائيّة، علماً أن أربعاً من تلك الأسر تنتمي إلى “كونسورسيوم” الاستقلال. إلى هذا، كان الاحتكار التجاري مكرّساً قانونيّاً في المرسوم رقم 134 الصادر في آب/ أغسطس 1967، الذي يحمي الوكلاء الحصريين للشركات الأجنبيّة.

“أما في القطاع المالي، فالشركات القابضة العائدة لـ57 أسرة- والتي تمثل 32% من مجموع رأس مال المصارف- تسيطر على 75% من الودائع في المصارف اللبنانية وعلى 72% من رأس مال الشركات الصناعية المساهمة، وعلى 52% من رؤوس أموال الشركات المساهمة في التجارة والزراعة والخدمات، و64% من رأس مال التأمين، و64 من رأس مال الشركات المالية المساهمة و37% من رأس مال الشركات العقارية” (“تاريخ لبنان الحديث”، ص 281).

مبالغة بيروت مركز مالي

وسط هذه الظروف، يسأن عشي: “هل أصبحت بيروت مركزاً ماليّاً عشية المحنة؟”.

ويجيب: “واقع الحال أن لبنان، على الرغم من توقه إلى لعب دور ما كمركز مالي إقليمي أو دولي، لم يكن قد تأهّل بشكل كافٍ لتأدية مثل هذا الدور، ذلك أن قطاعه المصرفي، رغم نموّه المتسارع، كان كبيراً بالنسبة إلى حجم البلد، لكنّه كان متواضعاً بالمقاييس العالمية. إذ إن مجموع ميزانيّات المصارف فيه لم يكن يتجاوز الأربعة مليارات دولار بينما كان يبلغ في سويسرا مثلاً 45 ملياراً وفي فرنسا 140 ملياراً” (151).

أما كسبار فيعتبر أن “ثمة مبالغة، لا تزال قائمة حتى الآن، في القول إن بيروت مركز مالي. فحتّى عام 1975، بقي النشاط المصرفي يركز على الإقراض القصير الأجل في قطاع التجارة وعلى إعادة تدوير الودائع. وكانت الأدوات المصرفيّة المستعملة بسيطة، والأسواق الماليّة والنقديّة المتخصّصة صغيرة أو غير ذات شأن. وفي المقابل، كانت رؤوس الأموال وفيرة، كما يبيّن مستوى الفوائد المتدنّي نسبيّاً، وبالأخص حجم الودائع المصرفيّة وصافي الموجودات الخارجيّة للجهاز المصرفي نسبة إجمالي الناتج المحلّي”.

  • خلال الحرب

على الرغم من النتائج السلبية لاشتعال الحرب، ولا سيما في وسط العاصمة بيروت، إلا أن الاجتياح الإسرائيلي في 1982 آتى بنتائج كارثية تعمدتها تل أبيب. ففي السنوات الأولى للحرب اتُخذت إجراءات حمت نوعاً ما المالية العامة وقيمة العملة الوطنية، لكن بعد الاجتياح ونتيجته، وفي عهد أمين الجميل “الرئيس البزنس مان”، وفق فواز طرابلسي، حصل الانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي الكبير. وقبل الاجتياح كان تعامل مصرف لبنان مع المصارف حازماً، ما أجبر البنوك على التكيّف مع الوضع الأمني والسياسي المتقلّب، وازدادت ودائعها (43% سنة 1977)، لكن بعد الاجتياح تفلتت المصارف من القيود والقوانين.

يكتب طرابلسي: “عام 1984، انتهت “الحرب في ظل البحبوحة” نتيجة تضافر عوامل عدة: سحب منظمة التحرير الفلسطينية أرصدتها من المصارف اللبنانية ووقف الإنفاق في لبنان؛ الدمار الشديد الذي أحدثه الغزاة الإسرائيليّون، وبعضه مقصود وذو أهداف اقتصادية؛ انخفاض الودائع المصرفية (من 12 مليار دولار عام 1982 إلى 3 مليارات في التسعينيات)؛ زيادة خضوع الاقتصاد، والمصارف خصوصاً، لرأس المال الأجنبي وخروج قسم كبير من الودائع إلى خارج البلد. إلى هذه كلها يجب إضافة حالات الانتفاع التي اتّهم بها الرئيس ورجاله.

“آذنت نهاية “الحرب في البحبوحة” ببداية دولرة الاقتصاد وانخفاض قمة العملة اللبنانية، ولذلك علاقة وثيقة بالمضاربة على الدولار التي مارستها الدولة، بواسطة المصرف المركزي، ورجال الرئيس والميليشيات قبل تحولها إلى رياضة وطنيّة للبنانيين، حيث قدّر في عام 1988 أنه يوجد في المصارف اللبنانية ما لا يقل عن 200 ألف حساب مصرفي بالدولار الأميركي. غير أنّه غالباً ما يجري التغافل عن سبب بنيوي للدولرة هو أن البلد لم يعد ينتج شيئاً تقريباً وبات يستورد كل شيء” (“تاريخ لبنان الحديث”، 397).

ويروي كسبار: “بدأت المصارف خلال عام 1984 شراء مبالغ كبيرة من العملات الأجنبية، خصوصاً الدولار… كان الهدف الوحيد للمصارف خلال تلك الفترة تجميع أكبر قدر ممكن من الدولارات، خصوصاً في أجواء هبوط الليرة وتوقعات مستشرية باستمرار الهبوط. فبدأت المصارف بشراء الدولارات بكميات كبيرة باستعمال احتياطها بالليرة لدى المصرف المركزي، وكانت حساباتها بالليرة تتغذى باستمرار عن طريق استحقاق سندات الخزينة اللبنانية بالليرة التي كانت المصارف قد اكتتبت بها سابقاً. وبالفعل، فبينما قامت المصارف التجارية بتمويل حوالى 77% من العجز المالي للحكومة عام 1985 عن طريق شراء سندات الخزينة، هبطت تلك النسبة إلى 16% عام 1986 وإلى 12% فقط عام 1987.

“كانت القروض المصرفية أهم مصدر للمضاربة. وكانت مصارف تمنح زبائن مفضَّلين عندها قروضاً تستعمل لشراء الدولارات، مما كان يزيد الضغط على الليرة. وفي دورات متتالية من بيع الدولارات بأسعار أعلى لجني الأرباح، كانت حصيلة بيع الدولارات تستعمل لسداد أصل القرض، زائد الفوائد المرتفعة لتأمين مشاركة المصرف في الربح، زائد الربح المتبقّي للمقترض. ومن ثم تعاد عملية الاستقراض بالليرة وشراء الدولارات، وهكذا دواليك. وبالطبع، كان من الضروري لربحية عملية المضاربة هذه أن يبقى سعر صرف الليرة في منحى انحداري” (250).

ومن بعض النتائج، وفق كمال حمدان، الآتي: “أظهرت دراسة للمصرف المركزي، أن كل 100 ل.ل أودعت في مصرف عام 1982، استعيدت عمليّاً بقيمة 3,1 ل.ل عام 1987 (الأساس مع الفوائد)، وذلك بسبب التضخّم، الذي حول معدلات الفائدة الإسمية، إلى معدلات فائدة حقيقية سلبية. أما رصيد الإيداع فقد ذهب إلى أطراف أخرى وتوزّع على الشكل الآتي: 11,9 للبنوك، 45,5 للزبائن المدينين، 30,6 للخزينة العامة و8,9% لمصرف لبنان. كان الزبائن المدينون هم أكبر المستفيدين من إعادة التوزيع هذه، وقسم صغير منهم (نحو 7,8% فقط) حصلوا على 90% من القروض المصرفية عام 1986. هذا التركز في القروض مال إلى الازدياد بعد 1986 بفعل تسارع التضخم. ونشير هنا إلى أن التدهور لم يطل الودائع البنكية بالليرة اللبنانية فحسب، بل طاول تعويضات المستفيدين من نظام التقاعد، هذه التعويضات التي يمكن تشبيهها بودائع متوسّطة وطويلة الأجل بالليرة اللبنانية. إن متوسّط قيمة التعويضات للعامل عام 1990، لم يتجاوز 20 إلى 25% من مستواه عام 1980. وهكذا أصبح مستقبل عشرات بل مئات ألوف العمال اللبنانيين مهدداً بسبب انهيار القيمة الحقيقية لتعويضات نهاية الخدمة. ولكن، بينما كانت مدخرات اللبنانيين في الداخل تنهار بسرعة، كانت مدخرات اللبنانيين في الخارج تتصاعد بصورة ملموسة وتدريجيّة” (“الأزمة اللبنانية” ص 249).

وهكذا، “ارتفعت نسبة الدولرة في ودائع القطاع المصرفي اللبناني من 29,5% عام 1983 إلى 92,3% في نهاية 1987 (عشي، 179).  وقد تراجعت “إلى 67,5% في العام 1989” (198).

وشهدت تلك الفترة “تعثر مصارف” عدة، أبرزها بنك المشرق (1988) الذي وضعه مصرف لبنان تحت إشرافه لحماية حقوق المودعين، وأحيل إلى التصفية (1989). وليس سبب تلك الأزمة انهيار الليرة، إنما سياسات المصارف وإداراتها وألاعيبها وخفاياها التي تسبب في انهيار الاقتصاد والعملة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.