النبطية الوفية لدورها الرائد

سلام بدرالدين

حين يتكلم المرء عن مدينته أو حتى عن قريته يبدو وكأنه يتكلم عن مركز الكون من دون أن يخطر بباله مبدأ المقارنة مع بقية المناطق أو المدن. فكيف إذا كنا نتكلم عن النبطية التي أعطيت تاريخياً أكثر من حجمها، على الرغم من أنها أقل مساحة من القرى والبلدات المحيطة بها، بحكم موقعها الجغرافي، ما جعلها محاطة بالهضاب الوادعة من كل الجهات، محصورة في شبه واد أو منخفض بين التلال المحيطة بها.

حين بدأ أهل النبطية بالتوسع في بناء منازلهم، وجد أكثرهم أنه أصبح تحت وصاية بلديات أخرى غير بلدية النبطية. فهذه التلة تابعة لبلدية كفرّمان، وتلك لبلدية زبدين، وثالثة لبلدية حبوش. لا مجال للتوسّع في تلك المساحة المحصورة بين المرتفعات من دون خطر الالتحاق ببلدية أخرى، مع كل ما يترتب على ذلك من حاجة إلى الخدمات المسؤولة عنها تلك البلديات.

انقسم أهل النبطية تاريخياً بين زعامات عائلية لا حزبية، فكانوا إما “أسعديين” (نسبة لآل الأسعد)، وإما “زينيين” (نسبة لآل الزين)، وكان أحد نواب المدينة التاريخيين وهو عبد اللطيف الزين الذي استمرت نيابته من دون انقطاع حتى وفاته. ولاحقاً تنازعتهم ثلاث عائلات بالإضافة إلى العائلتين المتقدمتين حين حلت بينهم زعامة آل عسيران.

يندرج تحت هذه العائلات وضمن لوائحها الانتخابية آل جابر وشاهين وعلي أحمد وبدرالدين والصباح. والمعارك الانتخابية كانت ضارية أحيانا لدرجة استخدام السلاح. هذا تاريخياً، أما الآن فالزعامة لجهتين لا ثالث لهما كما هو معلوم.

النبطية لم تكن بجمهورها وناسها بعيدة يوماً عن القضايا الوطنية والمطلبية، محلياً ووطنياً وعربيا، فمن لا يذكر حركة وانتفاضة مزارعي التبغ والمظاهرات والقتلى والجرحى والمعتقلين؟ أو المظاهرات التي كانت تقوم بها الأحزاب الوطنية والتي على أثرها كانت تتخذ الإجراءات التأديبية، فيطرد الموظفون والأساتذة من وظائفهم، أو ينقلون تأديباً إلى مناطق نائية، مع كل ما يترتب على ذلك من مشقة عليهم، وترك بيوتهم وعائلاتهم، ومنهم الأستاذ عبد الحسين حامد الذي نقل تأديباً إلى شمسطار، والأستاذ حبيب جابر وكانا ينتميان للحزب الشيوعي.

أما عن ثورة الـ 58 فحدث ولا حرج. حينذاك، تحولت النبطية إلى معقل للثوار، وللمعارضة، وللتدرب على السلاح، وقد ذهب ضحية تلك الأحداث شاب من آل بدير، ونصبت حواجز التفتيش وفرض منع التجول. فالنبطية تتعامل مع الشأن العام أكبر من حجمها الفعلي، الجغرافي والاجتماعي والسياسي، منابرها تخاطب مباشرة من الساحات الأمين العام للأمم المتحدة، ورؤساء الدول العظمى، هي تعتبر نفسها معنية بالقضايا الكبرى وبكل ما يجري في العالم. التظاهرات في شوارعها الضيقة والمحدودة المساحات والامتداد تهتف “الجزائر عربية يا طلاب الحرية”.

الوضع الاقتصادي للنبطية كان أساسياً للمنطقة وللمحيطين القريب والبعيد، فهي كانت وما زالت مركزاً للتجارة والتبادل مع بقية المناطق، عمليات شراء وبيع المواشي على بيدرها الذي يقبع أمام النادي الحسيني ما زال موجوداً وشاهداً على سوق الإثنين الذي يزنّر هذه الساحة كل أسبوع. تعرض فيه شتى أنواع البضائع الشعبية، أو المحاصيل الآتية من حاصبيا، ومرجعيون، وسهل الخيام، وسهل الميذنة. لا زراعة في النبطية، ولا محاصيل زراعية، نظراً، لضيق المساحة وانصراف أهلها إلى الهجرة والاغتراب ومعظمهم إلى إفريقيا، ما شكل مورداً اقتصادياً أساسياً لأهل المدينة.

قلبت مرحلة انتفاضة 17 تشرين موازين استقرار القوتين السياسيتين المسيطرتين في المنطقة، إذ ظهّرت قوة ثالثة تمثل الرافضين والمعترضين على الأوضاع الحزبية والسياسية والوظيفية، وعلى الاستزلام وتزوير الانتخابات والتفرد بالقرارات، وكذلك على طلب الطاعة المطلقة والمحاصصة، وكل ما ينتج عن ذلك من موبقات اجتماعية واقتصادية وظلم وقهر.

في المرحلة الأولى من النزول إلى الساحات جرت عمليات تهديد وترهيب للناس الذين شاركوا. هُدّدوا في وظائفهم وأعمالهم، ووظائف أولادهم ونسائهم وأقاربهم، ما أدى إلى انسحاب كثيرين من الساحات والتظاهرات، لدرجة أنّ بعضهم كان يتصل ويعتذر ويشرح أوضاعه، مؤكداً أنه مع المتواجدين في الساحات قلباً وروحاً وأنه سيقوم بكل ما يستطيعه لكن من وراء الستار.

وحين وجدت هذه القوى أن الأعداد ما زالت كبيرة، والتظاهرات مستمرة والحراك قائم، لجأت إلى العنف من ضرب وحرق وتكسير ودسّ للمشاغبين والزعران بين صفوف المتظاهرين والمنتفضين الذي صمدوا على الرغم من المعاناة الهائلة نفسياً واجتماعياً واقتصادياً.

لا عودة إلى الوراء، فقد ظهر ما ظهر، وجرى ما جرى، على الرغم من مكابرة المكابرين وعدم اعترافهم بالتغيير العمودي، والتصنيف الذي لم يكن جديداً بقدر ما بات واضحاً للعيان، جلياً في مقاصده وأهدافه.

ما حدث في النبطية لم تكن قادرة وحدها على القيام به لولا انضمام شباب البلدات المجاورة للانتفاضة في ساحتها التي شكلت لهم منفساً للتعبير والاعتراض. أن تكون معارضاً أساسياً في ساحة حراك النبطية الواقعة في حرم السرايا يختلف كثيرا عن تظاهرة في بلدة قريبة.  فالنبطية تجمع وتلمّ وتلعب دورها التاريخي وتبدي رأيها، وتنتفض حين يحين أوان الانتفاض. تتلقى العنف والضرب وتصمد، فهي في طريقها للمشاركة في تغيير المعادلة، بشبابها وشيبها، بنسائها ورجالها، بمعلميها وعمالها، بحزبييها ومستقليها.

إنه قدر النبطية، سوف تعيشه لعلّ التاريخ يبقى وفياً لذكرها كمدينة تحافظ على روح البلدة، وتحيا نبض الريف في علاقاتها الاجتماعية وتخاطب العالم إذا استدعى الأمر كما كانت تفعل دائماً. إنها المدينة التي قاتلت الإسرائيلي حين اقتحم عاشوراءها وهزمته. إنها المدينة التي عاشت القصف والتهجير لمدة 23 عاماً والتي دمرها العدو أكثر من مرة.

إنها المدينة التي تريد أن تظل وفية لدورها الرائد.

الصورة: مدرسة البنات الرسمية في النبطية تحتفل بعيد الشجرة في 1951 (من كتاب “النبطية بالأبيض والأسود”، علي حسين مزرعاني)

Leave a Reply

Your email address will not be published.