تشكيل الحكومة… أزمة نظام حكم

مهدي كريم

تعددت الأسباب الداخلية والخارجية لتعذر تشكيل الحكومة، وبصرف النظر عن الموقف الثابت من حكومة يتقاسمها- سواء مباشرةً أو عبر مستشارين- أركان السلطة، فإن هذه الأزمة تكشف بجانب منها أزمة نظام الحكم الذي لطالما عجز عن تشكيل السلطة التنفيذية بمدة زمنية معقولة.

استذكار أزمات تشكيل الحكومة في لبنان يُبيّن حجم الهوة الدستورية التي تحكم العلاقة بين مؤسسات الحكم في لبنان. فوفقاً للدستور، لا يوجد أي وسيلة لإجبار الرئيس المكلف على الاعتذار في حال إخفاقه في التأليف، ولا تُوجد أي وسيلة لدفع رئيس الجمهورية للقبول بالتشكيلة التي يُقدمها الرئيس المُكلف طالما أنه غير راضٍ عنها، بصرف النظر عن أسبابه ودوافعه.

هذا التوازن السلبي بين الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية يُبَرر على أن رئيسي الجمهورية والحكومة والوزراء يُشكلون مجتمعين السلطة التنفيذية. بالتالي، فإما أن يكون الرئيسان متفقين ويعكسان رؤيتهما للحكم من خلال اختيار الوزراء، وإما أن يكونا مختلفين فتقع الأزمة الدستورية التي لطالما احتاجت إلى تدخل خارجي أو حدث داخلي كبير لدفع الأطراف المختلفة إلى تقديم التنازلات.

الثغرة في هذه النظرة تكمن في أن انتخاب رئيس الجمهورية واختيار الرئيس المكلف غير مرتبطين بموقف كل منهما من الآخر. بمعنى أن رئيس الجمهورية قد لا يوافق على رئيس الحكومة المكلف الذي تُسميه الأكثرية النيابية، ورئيس الحكومة المكلف قد لا يكون منسجماً مع رئيس الجمهورية الذي تنتخبه الغالبية النيابية أيضاً. لذا، فإن سير عربة الحكم في اتجاهين مختلفين يمكن أن يكون احتمالاً وارداً عند تأليف كل حكومة.

ثمة اقتراحات دستورية قد تُسهم في وضع حد لهذه الاشكالية، كأن تُحدد مهلة زمنية لرئيس الجمهورية لقبول التشكيلة الحكومية، وإلا تُعتبر نافذةً ووجب إصدار مراسيمها، أو أن تُحدد مهلة زمنية للرئيس المكلف للتوافق مع رئيس الجمهورية وإلا يُعتبر معتذراً عن التأليف بحكم الدستور. غير أن عنوان “الصلاحيات الدستورية للمواقع الطائفية” يحول دون إقرار أي من هذين التعدلين.

لذا، يبقى أن العودة إلى المجلس النيابي، المؤسسة الأم في الأنظمة الديمقراطية، يُفترض أن يُشكل مخرجاً لهذه الأزمة، خصوصاً أن الحكومة ستكون مسؤولة أمامه، فهو الذي يمنحها الثقة أو يحجبها عنها، في حين أن مجلس النواب لا يملك صلاحية محاسبة رئيس الجمهورية سياسياً سوى بإجراءات دستورية معقدة ومن شبه المستحيل تنفيذها.

(الصورة: دالاتي ونهرا)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *