لماذا أنتقد قوى الاعتراض؟

حسان الزين

لست من المغرمين بتكوين ائتلافات لقوى الاعتراض.

أقول هذا، صراحة، على الرغم من الحاجة إلى حشد القوى وتنظيمها لمواجهة المنظومة التي دمّرت الدولة والاقتصاد والمجتمع ونهبت ذلك كله، وأكثر.

وإن كنت كذلك، إلا أنني أنتقد قوى الاعتراض.

لا أنتقدها لأنّها لم تكوّن ائتلافاً، إنّما لأنّها لم تتحاور بمنهجيّة سياسيّة محترفة، سواء أكان من أجل تكوين ائتلافات أو لهدف آخر.

أنتقدها لكونها تركّز على الهويّات والتصنيفات الأيديولوجيّة أكثر مما تبحث في السياسة، وأكثر مما تمارس السياسة. وهي تفعل ذلك في خطاباتها وعلاقاتها في ما بينها، وفي رؤية كلٍّ منها إلى الأخرى، وفي توجهها إلى المواطنين.

فتلك القوى تنتج خطابات وشعارات، ونادراً ما تنتج برامج عمل سياسيّة. وما أنتجته يستوجب النقاش والتطوير. وأساساً، ما قيمة الخطابات والبرامج والشعارات إن لم يكن هناك حامل سياسي واجتماعي لها؟

هذا ما يجعل قوى الاعتراض تعتقد أن اللقاء على مستوى الهويّات والتصنيفات الأيديولوجيّة والخطابات والشعارات ينتج ائتلافات. فتراها تقترب أو تبتعد بعضها عن بعض بناء على تلك القاعدة. مع استسهال الاختلاف والافتراق، وإن كان لديها شعور يشبّه علاقاتها بالزواج الإلزامي وتجاذباته.

مشكلة تلك القوى، التي “يجمعها” أنّها ضد المنظومة الحاكمة، هي أنّها لا تتحاور سيّاسيّاً. بل إنّ كلاً منها يصنّف نفسه ويصنّف القوى الأخرى انطلاقاً من الهويّات والأيديولوجيّات والشعارات. وغالباً ما تغلّف احتلافاتها السياسية وتموّهها. وهي اختلافات في جوهرها ما زالت متأثّرة بالانقسام العمودي بين 8 و14 آذار، وأحياناً يخيّم عليها انقسام الحرب الأهليّة. إضافة إلى الاختلافات في شأن أداء هذا الفريق وذاك الشخص.

وهذا، ما على قوى الاعتراض تجاوزه، سواء من أجل تكوين ائتلافات أو في نظرتها إلى بعضها وإلى السياسة وإلى المطلوب منها على مستوى الأزمة المصيرية التي أوصل النظام والمنظومة البلد إليها.

فالمطلوب من تلك القوى، نظراً إلى الأزمة الخطيرة وإلى الحاجة إلى حشد القوى وتنظيمها، أن تتحاور في السياسة، وأن تسعى للعمل المشترك ولو الجزئي. وهذا، قبل البحث في التنظيم والإطار، والأكيد أنه قبل التصنيف الأيديولوجي.

فالسياسة تُفضي إلى الاتفاق والائتلاف أو إلى الافتراق. أما الانطلاق من “نيّة” تكوين ائتلاف فلم يكن يوماً منتجاً، وهو غالباً ما يُفضي إلى ائتلافات ميتة قبل أن تولد، أو إلى ائتلاف يهيمن عليه فريق، أو إلى تدوير الزوايا إلى حد يغدو الائتلاف وما يقوله بلا طعم وبلا رائحة، أو إلى المشاحنات والتجاذبات والعداوات ربّما.

نعم، المطلوب أن تكون تلك القوى سياسية لا هويّات ومواقف وشعارات وتصلّبات حول الذات.

(الصورة: علي لمع)

Leave a Reply

Your email address will not be published.