هكذا دخل الجنوب الملصق السياسي… وهكذا خرج منه

الجنوب

تكرّس الجنوب اللبناني موضوعاً رئيساً في الملصق السياسي ردّاً على الاجتياح الإسرائيلي في آذار 1978، أي بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب الأهلية (1975).

بداية، ربطته الحركة الوطنية اللبنانية، التي تضم القوى اليسارية والقومية، بمواجهة الاجتياح الإسرائيلي وبالمقاتلين الذين تصّدوا له وقاوموه على مدى ثلاثة أشهر في المناطق المحتلّة جنوب نهر الليطاني (الملصق 1).

بعد ذلك، وبعد الانسحاب الإسرائيلي واستمرار اعتداءات العدو وعملائه (ميليشيا سعد حداد)، بدأت تتكوّن في الملصق السياسي، وفي القصيدة والأغنية الملتزمة وغيرهما، صورة خاصّة للجنوب.

الأرض

وليس غريباً أن يولد أولاً بُعدُ الأرض، خاصة تحت تأثير القضية الفلسطينية واحتلال الحركة الصهيونية فلسطين، وفي ظل الحرب في لبنان والقتال في المناطق وعليها. لقد صار الجنوب، المجاور لفلسطين المحتلّة والمفتوح عليها، الأرض التي احتلّها “الجيش الذي لا يُقهر” وانسحب منها. وهكذا ولدت صورة الجنوب المحرر من الاحتلال والعائد إلى الوطن والحريّة بفعل التصدّي القتالي والصمود الأهلي البطوليين. أي غدا الجنوب تجربة ونموذجاً ثوريين للتصدّي والصمود والتحرير، ووازعاً للاستمرار في المقاومة لتحرير فلسطين “حتّى النصر” (الملصق 2).

التصدي والصمود

ولم يكتفِ صُنّاع تلك الصورة في الإعلاء من شأن التصدّي القتالي والصمود الشعبي في وجه الاحتلال والاعتداءات المتكرّرة. التفتوا إلى الواقع الاجتماعي لأهالي الجنوب وسكانه. ربطوا الفقر والحرمان الناتجين من النظام الطائفي ودولة الاحتكارات والامتيازات، بالتصدّي للعدو والصمود في وجه اعتداءاته المتكرّرة. فصار الواقع نتيجة النظام ودولته من جهة، ونتيجة الاحتلال والاعتداءات من جهة أخرى. وبما أنّه كذلك، اقترن التعلّق بالأرض والدفاع عنها بالنضال في الداخل اللبناني ضد الحرمان ومن أجل المساواة والحقوق.

وتكررت في ألبوم تلك المرحلة المفردات البصرية والعبارات الشعرية المستمدة من الحياة في الجنوب، ولا سيما الزراعة، لكن مشحونة بتلك العقيدة الثورية والرومنسية، وبالرمزية. فغدت يدُ المزارع، مثلاً، شجرة متجذّرة بالأرض ومتمسّكة بها، بل تواجه أسلحة العدو وطائراته واعتداءاته (الملصق 3).

كامب ديفيد والثورة الإيرانية

لكن، وسط هذا المسار لصورة الجنوب، حدثت تغيّرات كبرى في المنطقة، وخصوصاً معاهدة كامب ديفيد ما بين مصر وإسرائيل (1978) والثورة الإيرانية (1979). ما انعكس على تلك الصورة التي شارك فيها فنّانون عرب، أدخلوا إلى تلك الصورة تقنياتهم التشكيلية ومفرداتهم الأيديولوجية أيضاً.

لم يعد الجنوب، بعد كامب ديفيد، تلك الأرض المُتمسَّك بها والمُدافَع عنها والمقاوِمة فحسب، بل صار مسرحاً لانتقام “السلام الأميركي الإسرائيلي”. وبعدما كانت اليد الجنوبيّة تنبت من الأرض مثل الشجرة أو البركان، لتقاوم العدو والعدوان، صارت الأسرة كلّها تتكاتف لتحمي بيتها من العدوان (الملصق 4).

لقد ظهر تأثير كامب ديفيد في صورة الجنوب سريعاً بُعيد عقد الاتفاقية وزيارة الرئيس المصري أنور السادات تل أبيب. وتعايشت في تلك المرحلة صورة الجنوب المقاوم مع صورة الجنوب المستهدَف.

أما تأثير الثورة الإيرانية في صورة الجنوب، فقد ظهر بعد الاحتلال الإسرائيلي في صيف 1982. مذّذاك بدأت تتقدّم قيم الشهادة على القيم الاجتماعية الثورية التي صاغتها الحركة الوطنية اللبنانية والمنظمات الفلسطينية. وفيما حافظت القوى اللبنانية المشاركة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، اليسارية منها خصوصاً، على ربط التحرير بالتغيير، أعلت المقاومة الإسلامية من شأن القيم الدينية. وحلّت، في ملصق حزب الله، صور الشهداء ومثلهم وعقيدتهم، وبات الجنوب خريطة وعناوين للعمليّات لا أكثر (الملصق 5).

احتفاء بالتضحيات ومطالبة بالقرار 425

وبين الصورة اليسارية- الفلسطينية للجنوب وصورة حزب الله، تغنّت حركة أمل في ملصقاتها بالجنوب وأهله وصمودهما وتضحياتهما. لم تربط التحرير بالتغيير في الداخل، على طريقة اليسار، وإنّما ربطت المقاومة والتحرير بالمطالبة بتنفيذ القرار الأممي 425، الذي لا يلتزم به الاحتلال الإسرائيلي. فصورة الجنوب التي صاغتها أمل خلال تلك السنوات مركّبة من عنصرين: (1) الرسمي الذي تنتجه أمل الموجودة في الحكم (رئيسها نبيه بري وزير الجنوب) ويرفع لواء المقاومة الوطنية اللبنانية ويطالب بتنفيذ القرار 425، وتغلب عليه اللغة الحقوقية والقانونية؛ (2) السياسي والشعبي الذي يحتفي بالجنوب وأهله وتضحياتهما ويبرز الشهداء وانتماءهم السياسي. وهنا بات الجنوب مكاناً وخلفيّة (الملصق 6).

موضوع فوق الموضوع

وبعدما سادت الصورتان اللتان أنتجهما حزب الله وأمل، تراجعت صورة الجنوب. لقد حلّ بدلاً منها مشهدُ الجنوب أو الجنوب المشهد. انتشرت صور شهداء حزب الله وأمل وقادتهما وراياتهما الحزبية في الحيّز العام كلّه. صار الجنوب مكاناً لصورتيهما، ومساحة لنفوذهما وتظهيره. لم يعد الجنوب موضوعاً ورمزاً إنما باتا هما الموضوع وهما الرمز.

(الملصقات من كتاب “ملامح النزاع”، زينة معاصري، “الفرات للنشر والتوزيع”)

Leave a Reply

Your email address will not be published.