الحرب التي اغتالت الشعب والدولة

بول أشقر

شكلت الحرب اللبنانية نقطة انعطاف تحولت إلى نقطة انحدار ثم انحطاط في مساري إنتاج شعب وبناء دولة، باعتبارهما عنصرين لا بد منهما لتثبيت الكيان اللبناني أولاً ومن ثم لتطويره. وبعد انتهاء الحرب، لم يعد يجد هذا الأخير ضالته.

أولاً: بين الشعب الواحد وكافة مكوناته

على الرغم من عبارة الطوائف “المعترف بها”، يجوز التساؤل من يعترف بمن، أي إذا كانت الدولة هي التي تعترف بالطوائف أو العكس. الموضوع حساس وأثار استغراباً لدى “العلمانيين” من الفرنسيين، أي كيف تكون بداية تابعاً لمذهب من المذاهب المعترف بها لتحصل في ما بعد على جواز مرورك إلى الجنسية اللبنانية. فالكيان اللبناني لا يعقد علاقة مباشرة مع مواطنيه بل يفرض عليهم بداية الانتساب إلى طائفة “معترف بها”. من هنا، تبدأ المعضلة – اللعنة التي ستلاحق عملية تكوّن الشعب اللبناني، فهو واقعاً مؤلف من طوائف لها أتباع، بدلاً من أفراد ينتمون أم لا إلى طوائف.

في فترة الانتداب، تموحرت الحياة السياسية حول “الكتلة الوطنية” و”الدستور”، وهما تجمعا مؤلفان من سياسيين من جميع المناطق والمذاهب مع أرجحية ومرجعية للسياسيين الموارنة، خصوصاً من جبل لبنان. تحت الهيمنة المنمّطة بالتأثير الفرنسي، أخذ “نواب الأمة” يشرعون باسم الشعب اللبناني ويتكلمون باسمه أحياناً. وعاد الحديث نفسه والتنافس نفسه باسم الشعب اللبناني عندما عادت البلد وانقسمت في الستينيات بين كتل سياسية من مذاهب مختلفة، بين “نهج” أنتجته التجربة الشهابية ومعارضة تجمعت في “حلف” للقضايا عليها.

مع اندلاع الحرب “أهلياً”، كان همّ المتصارعين تأكيد “لبنانية” جبهتهم أو حركتهم الوطنية أكثر من “شعبيتها”. وانتهت الحرب، وكانت قد كلفت عشرات آلاف الضحايا ولم تنجح في إشادة مزار وطني واحد موحد يلتقي اللبنانيون حوله ومع ضحاياهم، بل بقي هناك آلاف من المزارات الصغيرة المبعثرة على طول البلد وعرضه. عندما انتهت الحرب، اكتشفنا أن المكونات طغت على “الشعب” الذي أصبح كلمة لم تعد على الموضة  و”المفقود” لم يعد أحد يتكلم باسمه. فقط القضاة بروتينية مملة لم تعد تقنع أحداً و- للمفارقة الخالية من الحياء – جمعية المصارف بعدما نهبت المودعين!

وتلاشت الكلمة من قواميس السياسيين بدون وعي أو عن خجل أو لقلة العادة، فصاروا يتكلمون عن “بيئتنا” وعن “جماعتنا” وغيرها من الكلمات التي تعني في أحسن الأحوال أن البلد صار أرخبيلاً من الشعوب. أما من بقي يتجرأ على استعمال الكلمة، فصار يرفدها فوراً بعبارة “بكافة مكوناته”، كأن على العبارة أن تضمن توازناً معه فيما المعضلة الحقيقية أنه صار مفقوداً معها وبدونها.  

ثانياً: بين الدولة العادلة ونظام الزعماء

مع الاستقلال، ورثت الدولة قوانين ومؤسسات الانتداب وبقي عليها صياغة النظام. صاغت الثنائية المتساوية في الفعل الإستقلالي بين الخوري والصلح ومصالح “كتلة شيحا الدستورية” البنيان الدولتي- الطائفي القائم على إعطاء الرئاسات الثلاث للمذاهب الكبيرة الثلاث (ونيابة رئاسة الوزراء للطائفة الأرثوذوكسية). وتوازي هذا البنيان هيكلية ثانية أعطيت فيها للموارنة دور “حماة الكيان” من خلال امتيازات على رأس سلطات تقريرية مثل قيادة الجيش.

غطت شخصية رياض الصلح على خلل النظام الأساسي الذي كان يعمل من الرئاستين الثانية والثالثة مجرد منفذين لرئاسة أولى غير مسؤولة أمام أحد. وبعد اغتياله، انكشف الخلل الفادح عند الإنذار الأول نتيجة الإستقطاب الإقليمي بين الصعود الناصري و”حلف بغداد”.

شكلت التجربة الشهابية محاولة متماسكة لتطوير الدولة لا بل لتأسيسها على قواعد جديدة، وبواسطة مؤسسات تساعد في ولادة المواطن، أخذت الدولة في تلك الفترة حيزاً من الإستقلالية إزاء المذاهب، إلا أن اللجوء إلى المكتب الثاني والاعتماد على نصف الطبقة التقليدية عاد ونشر الجذع التي كانت التجربة زرعته.

صادف امتداد الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان وصول سليمان فرنجية إلى سدة الرئاسة، وكأن كلمة السر انتقام الطوائف من الإستقلالية النسبية التي تجرأت عليها الدولة الشهابية. وعندما تجمعت الغيوم فوق ثنائية جديدة- الجيش و”جيش المقاومة الفلسطينية” – اختلطت اللعبة الداخلية بالثنائية الإقليمية، وأخذ الطرفان يدربان لاعبين جدداً للحرب الآتية.

مع الحرب، تعطلت الدولة وتوزعت الأراضي على كانتونات تحكمها ميليشيات. مرت السنوات، ولم تستعد الدولة عافيتها بل زادت من تفككها، حتى وصلنا إلى اتفاق الطائف: على الورق، إصلاحات برلمانية جيدة ستنتج نظاماً مع مجلسين بدلاً من النظام الرئاسي اللامسؤول. في الواقع، وإن تناسوا النظام الطائفي فهو لم ينساهم: بدلاً من الأحادية المارونية المرممة بإصلاحات برلمانية، ولّد “الطائف” وحشاً من ثلاثة رؤوس من الحجم نفسه والصلاحيات أو “ترويكا” كما سميت من ثلاثة أحصنة لا يقودها إلا حوذي سوري.

بعد اغتيال الرئيس الحريري وخروج الجيش السوري وعودة القيادات المسيحية إلى الواجهة، اكتملت العناصر لاستبدال الدولة بـ”نظام الزعماء” الآتي من الحرب من دون المرور بأي مطهر. ولكل زعيم فيه “دولته الخاصة” في الدولة الأم: “دولة إعادة الإعمار” التي أوكلت لدولة خاصة، “دولة المقاومة” التي توكلت بالتحرير قبل أن توكل بما يليه، ثم “دولة مجلس الجنوب” و”دولة صندوق المهجرين” ثم “دولة استعادة حقوق المسيحيين”. وتم تمويل كل هذه “الدول” بـ”دولة الليرة بألف خير”…

نهبت هذه “الدول” الدولة بواسطة آلية المحاصصة و/أو التعطيل، وشوهت المواقع الرئاسية التي انتقلت من “رئاسة معقودة لمواطن من الطائفة” إلى “رئاسة للطائفة” وصولاً إلى “رئاسة لأقوى زعيم في الطائفة”. وانتقلنا من “الطائف” إلى “الدوحة”، ومن الموالاة والمعارضة إلى حكومات الوحدة الوطنية، ومن الرئاسات إلى الزعماء، ولكل واحد منهم فقراؤه وأجهزته الأمنية. أكل “نظام الزعماء” الدولة، فيما أفلس النظام المصرفي وافتقر الناس.      

***

هكذا اغتالت الحرب الشعب اللبناني ودولته، وما تلاها لم يُعد لهما الحياة ، بل كرس الجريمة المزدوجة وصلّى عليها. إلا أن “فرطة” الدولة وإفقار الشعب “بكل مكوناته” عاد وأمّن  تواجد فرصة- أشارت انتفاضة 17 تشرين إلى إمكانيتها- لإعادة انبعاث الشعب والدولة.

إن التعبير القانوني وكذلك السياسي عن المواطن الفرد هو الدليل الحسي عن انتهاء الحرب وعن استعادة مسار إنتاج الشعب. ما كان ممكناً نظرياً قبل الحرب من بناء الشعب بدون المسّ بامتيازات الطوائف، صار مستحيلاً بعد وقوع الكارثة: على المواطنين الأفراد أن يجتمعوا حول ما يشكل وحدة هذا الشعب ويرسخوها بداية ثم يطوروها. أما الحساب المشترك بينهم، فصار من الضروري أن يأخذوا رصيده من حساب طائفتهم الخاص ليوظفوه في حساب شعبهم المشترك.

وكذلك بالنسبة لمسار بناء الدولة: عطلتها الحرب وقضت عليها حقبة ما بعد الحرب. وعد “نظام الزعماء” باحتضان كل واحد منّا. وانتهت الحكاية بالتخلي عن “كلنا يعني كلنا”. صار على الدولة العادلة أن تعدّد مواطنيها وتقدم الحقوق البديهية للأكثر فقراً أياً كان مذهبهم. لن تقوم قيامة الدولة بدون تحرير الرئاسات والأجهزة الأمنية من الطوائف الكبيرة التي سطت عليها. ولن تقوم إلا لحماية المواطنين الأفراد. حتى لو طلب من هؤلاء أن يحموها خلال فترة تسبق أن تكون قادرة على حمايتهم من جديد.

(الصورة: جورج سمرجيان، من كتاب “لبنان… فلبنان”، زافين قيومجيان)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *