1975: الفرح على شرفة الموت

سعيد عيسى

كان يوم 5 آذار 1975 يوماً عاديّاً شبيهاً بغيره من الأيام، حين دلفنا إلى ملعب المدرسة ليقرع النّاظر بعد هنيهة الجرس. اصطففنا كعادتنا صبيحة كل يوم استعداداً لإنشاد النشيد الوطني، قبل الولوج إلى صفوفنا. لكنّ دخول شبانٍ مجهولين بالنسبة لنا ساحة الملعب وتحدّثهم مع النّاظر الذي بدوره استدعى المدير على عجلٍ، سرعان ما عطّل انتظامنا اليومي. إذ طلب منّا الناظر البقاء في الملعب والانتظار فيه، في حين أُقفِلت بوابة الخروج من المدرسة. بعد حوالي ساعتين عاد النّاظر ليطلب منّا الاصطفاف من جديد في الملعب، طالباً منّا مرافقة الشبان الذين تحدثوا والمدير إلى الخارج، لنتفاجأ بهم يطلبون منّا الصعود إلى “بوسطات” كانت بانتظارنا، صعدنا وسارت بنا إلى أن توقّفت أمام المتحف الوطني، وهناك أنزلنا منها لنفاجأ بآلاف من الشباب والتلامذة أمثالنا يحملون لافتات ويصدحون بهتافات تشق الشوارع المحيطة وتصمّ الآذان. بعد فترة انطلقت الجموع في التظاهرة جابت شوارع منطقة الأشرفية، وكان مثلها كثير جاب شوارع المناطق اللبنانية حسب ما علمت لاحقا.

لم أدرِ ما كان يحصل في تلك الفترة وعمري آنذاك لمّا يتجاوز اثنتي عشر سنة، ومثلي كثيرون، لكنني عرفت لاحقاً، أنّ هذه التظاهرات كانت دعماً وتأييدا للجيش اللبناني، وكانت دليلاً لا يرقى إليه الشكّ على أنّ الانقسام في البلد بلغ مداه. فقد عمّت بيروت والمناطق التي ستسمّى لاحقاً بـ “المسيحية” أضخم تحركات شعبية دعماً للجيش تلبية لدعوات الطلاب في أحزاب “الكتائب” و”الأحرار” و”الكتلة الوطنية”. لم أدرِ أنّ التظاهرة التي تحركت في بيروت وكنت من عديدها وكان الناس ينثرون علينا الورد والأرُزّ من الشرفات، ولم أعرف ما الغاية منها، ولماذا أنا فيها أصلاً ومعي رفاق صفي ومدرستي، وما الذي يحصل. وأنّ هذه التظاهرة تقدّمها رجال الأمن والسيارات والدراجات النارية ومكبّرات الصوت وسار في طليعتها رؤساء مصالح الطلاب في تلك الأحزاب، وأنّها عندما وصلت إلى شارع “مونو” انضم إليها الشيخ بشير الجميل، الذي قام لاحقاً مع عدد من المسؤولين الطالبيين بزيارة الجرحى العسكريين من الجيش اللبناني في المستشفيات، تأكيداً على الدّعم والتأييد للجيش.

لا أخفي عليكم أنني كنت فرحاً ذلك النهار، إذ لم أدخل قاعة الصفّ، وكان بالنسبة لي يوم عطلة، وكأنني موجود فيما يشبه الكرنفال. لكنني، لم أدرِ أن السّلاح كان ينتظر، والمسلّحون كذلك ينتظرون، والجبهات باتت حاضرة في النفوس قبل ترسيمها على أرض الواقع التي انفجرت بعد أقلّ من شهر بقليل من تلك التظاهرة مع “بوسطة عين الرمانة”، وبدأت بعدها الاشتباكات وتقطيع الطرق والحواجز والخطف والقتل والقنص والمتاريس تعلو أكثر فأكثر بين اللبنانيين وأنّ كثيراً من أمثالي فقدوا حيواتهم لاحقاً نتيجة ذلك.

لم أدرِ أننا كنا ذاهبين إلى حربٍ لا قدرة لنا على ردّها ومنعها، ستحكم مستقبلنا ومستقبل أجيال آتية، سننخرط فيها ولا خيار أمامنا غير ذلك، وأنّ العودة إلى الوراء غير ممكنة، وستستمر بأشكال وألوان تتبدّل وتتغيّر، وما زالت مستمرة لغاية اللحظة التي نعيشها، وأنّنا، فيما نحن فيه اليوم من متاريس مرتفعة في النّفوس قد يعيد رفعها على الأرض من جديد.

(الصورة من كتاب “لبنان القرن في صور”، “دار النهار للنشر”)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *