حركة الوعي

الجنوب

عرف لبنان حركة سياسية طالبية مميّزة، كانت واعدة، ولكنّ الحرب التي لم تكن تلك الحركة تتوقعها وضعت حداً لها ولتجارب أخرى.

هي “حركة الوعي”.

حركة نبتت في الجامعة اللبنانية، التي وفّرت فرصة لتعلّم أبناء الريف والأطراف، الذين لم تكن ظروفهم تسمح بالالتحاق بالجامعات الخاصّة.

وقد اندفعت تلك المجموعة، وفي مقدّمها أنطوان الدّويهي وعصام خليفة وميشال زكريا وموريس النجار وفرنسوا قزي وجوزيف خوري وناصيف يمّين وبول شاوول وسمير خوري وآخرون، إلى تغيير المجتمع انطلاقاً من الجامعة.

البداية

يروي رئيس الحركة أنطوان الدويهي، في حوار طويل أجرته أورنيلا عنتر: “تأسّست حركة الوعي في 16 و17 آب 1969، في مؤتمر القوى اللبنانية في الجامعة اللبنانية الذي عُقد في دير سيدة ميفوق، في جبال بلاد البترون، بحضور 22 شخصاً، نصفهم من رؤساء وأعضاء رابطات كليّات الجامعة اللبنانية، والنصف الآخر من الناشطين فيها”.

يضيف الدويهي: “في العام 1968- 1969، وللمرة الأولى في تاريخ الجامعة الوطنية، فازت في انتخابات رابطات كليّات الجامعة اللبنانية ومعاهدها، القوى الكيانية اللبنانية، في وجه التيارات الماركسية والاشتراكية والقومية العربية الوحدوية والقومية السورية، المنقسمة على ذاتها. وانطلاقاً من ذلك الفوز، سعت تلك القوى إلى تكوين حركة موحّدة والاندماج فيها. وفي شهر حزيران 1969 التقى في بيروت ممثّلون عن تلك القوى وشكّلوا لجنة تحضيرية دعت إلى مؤتمر ميفوق، تحت شعار: من أجل جامعة وطنية رائدة، من أجل لبنان قوي فاعل”.

و”في هذا المؤتمر تأسست حركة الوعي، وتم إقرار نظامها الداخلي، ومناقشة محتواها الوطني، ومحتواها الجامعي، ووسائل عملها، والتزمت الحركة إنشاء اتحاد طلاب الجامعة اللبنانية ليحل محل الرابطات”.

مفاجأة

ولم تقتصر مطالبها على تطوير الجامعة والتعليم الرسمي وحقوق الطلاب والمتخرّجين في سوق العمل، بل قدّمت الحركة خطاباً للبنان، يلتقي مع اليمين في “اللبنانية” وينقّيها من العنصرية والطائفية، ويتقاطع مع اليسار قيميّاً على حقوق الناس ويحررها من الرؤى التبسيطية التي تنتج أنظمة وحركات ديكتاتورية، وفق بياناتها وروايات أصحابها.

وقد فاجأت هذه الحركة القوى السياسية في لبنان، يميناً ويساراً، في السلطة ومعارضيها. إذ خرجت سريعاً من الصرح الجامعي، إلى الشوارع بتحرّكات واسعة فرضت قواعد جديدة في اللعبة.

فإضافة إلى انتصاراتها الانتخابية في روابط طلاب الجامعة، ناضلت هذه الحركة لتأسيس “الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية” (1971)، الذي جمع روابط الطلاب في تجربة نقابية مستقلّة شارك فيها طلاب الجامعة كافة، أولاً بالاستفتاء ثم في الانتخابات والتحرّكات.

تحركان بارزان

وخاضت الحركة تحرّكين أساسيين في تاريخ لبنان:

الأول في 1969- 1970، وفق الدويهي، إضراب عام من أجل “رفع المستوى التعليمي في الجامعة اللبنانية بإقرار مشروع تفرّغ أساتذتها، وتقوية التعليم الرسمي، تحقيق المشاركة الطالبية في هيئات الجامعة، وربط الجامعة اللبنانية بعمليّة النمو الاقتصادي والاجتماعي، لتلبية حاجات المجتمع اللبناني الحقيقية وتأمين فرص عمل للخريجين، منعاً لهجرة النخب ونزوح الأدمغة”.

والتحرك الثاني، يروي الدويهي: “رفعت اللجنة التنفيذية نحو 18 مطلباً في إضراب 1971 الكبير، الذي دام 63 يوماً، وهو أهم تحرك طالبي وشبابي في تاريخ لبنان. أطلق الاتحاد سلسلة تظاهرات كبرى توجّهت إلى ساحة النجمة، مانعة المجلس النيابي من الانعقاد، وإلى ساحة الشهداء، وإلى شارع الحمراء وسواه، وإلى طريق مطار بيروت بهدف قطعه، وقد قمعت السلطة مظاهرة المطار بشدة أدّت إلى سقوط عشرات الجرحى في صفوف المتظاهرين. واحتل الطلاب الجامعة اللبنانية، وأقصوا العمداء والموظّفين في كليّات الجامعة الخمس ومعاهدها الثلاثة، وأحلوا محلهم عمداء وموظّفين من الطلاب، مجملهم من حركة الوعي”.

ويتابع: “كان استهداف هذه المواقع الحيوية من أجل التأكيد على مسؤولية الجهاز السياسي والاقتصادي والتربوي الحاكم عن الفوضى التي آلت إليها أوضاع البلاد، وفي هجرة المتخصصين والأدمغة (رمزية تظاهرة المطار)، ولإبراز الترابط بين تحقيق المطالب وضرورة إحداث التحوّلات والإصلاحات السياسية والاقتصادية والتربوية العميقة في لبنان. وأن لا إصلاحَ وتطوير حقيقيين للقطاع التعليمي والتربوي بمعزل عن الإصلاحات الجذرية في السياسة والاقتصاد، للخروج من الفوضى القائمة، إلى الديمقراطية الحقيقيّة ذات المضامين الاجتماعية والاقتصادية، القادرة على الجمع بين تكريس الحريّات وتحقيق العدل الاجتماعي والمساواة، لصالح الشعب المغبون في كل أنحاء البلاد، ولصالح المناطق الداخليّة والريفية. ومن أهم معاني ذلك التحرّك، شفافيّته التامة، وتحرّره من أي موقع نفوذ، كائناً من كان، في هذا العالم. وهو إنجاز بالغ الأهميّة والدلالة في حد ذاته، لم تعرفه التحرّكات النقابيّة اللبنانية”.

خيارات حاسمة

ويذكر الدويهي: “عشية حرب 1975، كانت حركة الوعي تستقطب فئات واسعة من الجامعيين، في مناطق الفكرة اللبنانية، أي مناطق المسيحيين. كانت الحركة في أواسط الجامعيين، تضاهي الأحزاب اللبنانية التقليدية المحافظة مجتمعة. ومع اشتداد النزاع الطائفي، وصعود المخاوف من كل صوب، وانتشار ظاهرة التسلّح الشعبي على نطاق واسع، وجدت حركة الوعي نفسها أمام خيارات حاسمة”.

والنتيجة، يقول الدويهي: “رفضنا فكرة التسلّح، وقرّرنا تجميد الحركة. ابتعدنا بالكامل عن العنف، الذي يتناقض مع جوهر حركتنا ومسيرتنا. هكذا، شاءت أقدار التاريخ أن تصطدم حركة الوعي بحرب 1975 وتتوقف عندها”.

(“حركة الوعي”، أنطوان الدويهي، حوار أجرته أورنيلا عنتر، عن “الدار العربية للعلوم ناشرون” و”دار المراد”)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *