مرفأ بيروت ألم بين زمنين

ناجي طاهر

يبدو أنّ قدرَ مرفأ بيروت، أن يرتبط في ذاكرة اللبنانيين بحدثين أليمين: الأول هو يوم السبت الأسود، الذي حدث في مطلع الحرب الأهلية، (6 كانون الثاني 1975)، والثاني انفجار المرفأ في (4 آب/ 2020).

ففيما يبدو أنّ الذكرى الأولى قد حُفرت عميقاً في ذاكرة اللبنانيين، على الرغم من مرور نحو نصف قرن عليها. إذ إن المرء لا يعدم أن يشاهد تجمعاً أو تظاهرةً للجنة مفقودي ومخطوفي الحرب الأهلية أمام قصر العدل، تنشد حلاً عدلاً للقضية التي طال الزمن عليها، ولم تنجلِ كل خواتيمها، إذ إنّ معظم هذه الحالات لم يعرف مصير مَن فُقد أثناء تلك الحرب، وهناك العشرات أو المئات ممّن فُقدوا يوم السبت الأسود المشؤوم، ولم يعثر ذووهم على أي أثر لهم، كما لم يؤكد أي فريق كان مشاركاً في الحرب أي معلومات عنهم. فبقي هؤلاء دون شواهد قبور تحفظ أسماءهم وكرامتهم وتضم رفاتهم في حال كانوا موتى! وإذ نتذكر ذلك اليوم الأليم من آلام الحرب الأهلية، فإننا نفعل ذلك ليس لنكأ للجراح وإنما لكي تهدأ النفوس وتطمئن وترقد الأرواح بسلام.

كذلك، يبدو أنّ انفجار 4 آب سيدخل عميقاً في ذاكرة اللبنانيين ولسنين طويلة. وقد باتت الخشية تراود كثيرين أن يلقى مصيراً مشابهاً لملف المفقودين في الحرب الأهلية، وأغلب الظن أنه سيسقط كسابقه بالتقادم.

لكن، ما داعي الربط بين الحدثين، قد يسأل البعض!؟ بالطبع، ليس المقصود اليوم إثارة أشجان الماضي، وإنما من سبيل المصادفة التي جمعت الحدثين في جغرافيا واحدة. إن الحدثين وقعا على المرفأ المشؤوم. وبالطبع، في تشابه النتائج التي ترتبت عن هذين الحدثين.

فماذا حدث يوم السبت الأسود؟ إنه اليوم الذي اندفعت “ميليشيا” حزب الكتائب حينذاك، غداة العثور على جثث أربعة كتائبيين في منطقة الفنار، اندفع عناصر من هذه “الميليشيا”، في ردة فعل هستيرية وغير مبررة، إلى منطقة المرفأ والمناطق المجاورة فاقاموا الحواجز، وراحوا يفتشون الحافلات والسيارات، ويسوقون الناس على الهوية، فتم رمي وقتل العشرات من عمال المرفأ… المسلمين” العزل من غير ذنبٍ، أو لذنب لم يقترفوه وإنما لسوء حظ أسمائهم التي دونت على هوياتهم. فسقط العشرات منهم، وخُطف المئات… وكانت هذه المجزرة، من أبرز الأحداث التي أدت إلى استمرار الحرب الأهلية، وخروجها عن السيطرة.

كذلك كان انفجار 4 آب، خبراً رئيساً في كل صحف العالم، وشاشات تلفزتها، وعُدَّ الإنفجار الأكبر بعد هيروشيما وناجازاكي.

عنبر الموت أو مغارة على بابا

إنها جريمة العصر بلا منازع ولا جدال، وبمفاعيلٍ “نووية” وعالمية.  فقد كان حجم الانفجار كبيراً إلى حدٍّ لن يكون بمقدور أيّ جهة أن تتحمل مسؤوليته، وقد تملصت وتنصلت إسرائيل منه بعدما تبجح بنيامين نتنياهو بها في الدقائق الأولى قبل أن يتراجع بعدما أخطره مساعدوه، على الأرجح، بهول الجريمة. فمَن تراه سيتحمل أكثر من مئتي شهيد وآلاف الجرحى وتدمير ربع العاصمة ومرفأها الحيوي في انفجار واحد. لكن اللافت هو مسارعة جهات محلية وخارجية لتبرئة ساحة إسرائيل من الموضوع.

لكن استهداف المرفق الأكثر حيوية ونشاطاً اقتصادياً وضربه لن يكون إلاّ غاية الأعداء والأشرار ممّن تكون لهم مصلحة في ضرب اقتصاد لبنان وأمنه، وإنعاش مرفأ غيره وتحويل حركة الملاحة البحرية إلى غير وجهة، وهذا ما تبينه الأرقام: أن زيادة تقرب من الثلاثين في المئة شهدها مرفأ حيفا منذ انفجار مرفأ بيروت. وقد يطال هذا الانتعاش مرافئ أخرى مجاورة إذا ما طال أمد عودة هذا الميناء العريق إلى نشاطه! هذا إذا ما ذهبنا في نظرية العمل المتعمد، الذي استغل ظروف الإهمال والفساد التي كانت مستشرية في ما كان يُعرف بـمغارة علي بابا والأربع مئة ألف حرامي. أو أنّ الجريمة كانت لتغطية السرقات التي طالت “نترات الأمنيوم” فكانت الجريمة لتضليل الأسئلة والشكوك المثارة حول الكمية الحقيقية لمادة النترات التي كانت موجودة في عنبر الموت ذي الرقم 12.

أمّا المسؤولون المحليون فكُثر. ويتسلسلون من أصغر موظف وُظف من دون وجه حق أو مباراة، وإنما محاصصةً بين “العصابات” و”الميليشيات” التي خطفت الدولة باسم الطوائف، وشرّعت الفساد.

كلها أسئلة تنتظر أجوبة دامغة ومقنعة، وفيما استبشرنا خيراً بتعيين قاضٍ تجرأ وأراد أن يفتح تحقيقاً جدياً سيفضي بالضرورة إلى فك شيفرات المسؤولية في هذه الجريمة. فقامت قيامة “منظومة” الفساد، تهديداً ورعيداً، ونهضت المرجعيات الطائفية المعينة من قبل سلاطين السياسة والمنتفعين، تضع الخطوط الحمراء على هذا المنصب أو ذاك الموقع واعتبار هذا الاتهام والمساءلة بمثابة اتهام لطائفة هذا الشخص، أيّاً كان… والأنكى من هذا أنّ اثنين من المستدعين للمثول أمام المحقق العدلي، (وهما من الطبقة السياسية الحاكمة)، كانا قد طالبا علناً بإقالة القاضي المسؤول عن ملف التفجير، ويشككان في صلاحيات طلبهما للمثول أمام القضاء للمساءلة. وهذا ما حصل بالفعل، إذ تم استبدال هذا القاضي بآخر، ليبدأ التحقيق في القضية من الصفر… وهذا خير دليل على غطرسة السياسيين وفسادهم في بلادنا، ودوسهم بأقدامهم أي أعراف أو قضاء أو مؤسسات دولة.

جمهورية المرفأ والمصير المحتوم

ما نعرفه عن هذا المرفق من غير اللوائح والأرقام الاقتصادية، وهي بلا شك كثيرة ومتضاربة، لكن اللافت ما أثير مرات عدة من جهات معنية بالاقتصاد، أنّ مستويات الفساد والهدر التي تتسرب من خزينة الدولة من خلال المرفأ بشكل أساسي تقدر بأرقام فلكية، وإذا ما أضيفت إليها مواطن التهريب والفساد الأخرى كالمطار والجمارك والمنافذ البرية فإننا نتحدث عمّا يمكن أن يسد عجزاً كبيراً في الدين العام.

لن أدخل في دوّامة الأرقام وهي كثيرة ومتوافرة بسهولة من أكثر من مصدر. فهذا أمر لم يعد ينفع تكراره اليوم بعد خراب البصرة كما يقولون. فما أود العودة إليه هو المرة الأولى التي زرت فيها “البور” وكانت زمنياً تقريباً في منتصف المدة الفاصلة بن هذين الحدثين. فزيارتي الأولى إلى المرفأ كانت في أواخر التسعينيات، بعد انتهاء الحرب الأهلية. كنت أمشي مندهشاً وربما خائفاً بعض الشيء من شيءٍ مجهول المصدر، وقد ساورني شعور طاغ بحزن دفين، أو رغبة جامحةً بالبكاء، تكوّرت في دمعةٍ بلورية سقطت من عيني بحياءٍ، من دون أن تحدث جلبةً لن يلحظها أحد في هذه الضوضاء. وكانت صورة المفقودين الثلاثة من قريتنا لا تفارق مخيلتي، لكثرة ما كانت صورهم تحمل من قبل أقربائهم، وابن أحدهم كان صديقي منذ الطفولة، فكانت مسحة الحزن علامةً فارقة على جبينه كأنها دمغة أبدية… فيما يشير الناس إليه دائماً عندما يلتقون به، بنظرات المواساة وحتى الشفقة بأنه ابن “المفقود يوم السبت الأسود”… تذكرته وتصورت أن والده قد يكون لقي مصيره بين أحد هذه العنابر، أو ربما ألقيت جثته في البحر كما كشف تقرير تلفزيوني منذ فترة غير بعيدة، أنهم جمعوا رجالاً ممّن أوقفوهم على الحواجز، وأنزلوهم من “البوسطات”، التي كانت تقلهم ومعظمهم من العمال اليوميين على المرفأ من الجنوب والبقاع، ممّن يسكنون في ضواحي بيروت الشرقية (النبعة وبرج حمود) أو الجنوبية، ولم يطلقوا النار عليهم مباشرةً، كما تباهي جوزيف الملقب بـ”السفاح” (والد أحد الضحايا الأربعة من الكتائبيين الذين وجدت جثثهم في الفنار)، في مذكراته التي نُشرت بالفرنسية وتُرجمت إلى العربية، أنه كان يتفنن في إطلاق الرصاص من مسدسه على رؤوس ضحاياه، في ذلك اليوم، فهؤلاء الذين سلموا من انتقام هذا السفاح تحت جسر الكرنتينا، تم جمع أكثرهم وهم أحياء في بعض الحاويات المعدنية المخصصة للشحن البحري، وأغلقوا بابها ورموها بالرافعات في البحر وراحوا يطلقون النار عليها لكي تدخلها المياه وتغرق بمن فيها من بشر. هذه الصورة الأليمة جداً كانت ماثلةً في مخيلتي لا تبرحها، وكأنني كنت أسمع في أذني أنين من كانوا في تلك الحاويات وصراخهم. فكنت كلّما فكرت في هذه الصور اقترب من قريبي الذي يعمل في المرفأ، وكأنني أريد أن أتمسك به. فيما كان هو يمشي بثقة كبيرة، وبدا أنه يعرف كل المداخل والأبواب، والناس والموظفين، فها هو يحي فلاناً باسمه من هنا، وهذا مارٌ آخر ينده عليه بالتحية من هناك. بدأت أشعر ببعض الراحة، وكان مقصدنا أحد مخلصي المعاملات، وأذكر أن معاملتنا كانت تخليص سيارة مرسلة من أميركا على ما أذكر.

جزيرة الكنز المفقود

أولى المفاجآت كانت أن المخلّص في هذا البحر المتلاطم من الرجال والرسوم والمعاملات، كانت امرأًة تأخذ من قدمها قليلاً، فتبدو مشيتها أشبه بقرصان “جزيرة الكنز”. وكنت اتفاجأ في كل مطب أو “ختم” لازم لإتمام المعاملة عند هذا الموظف أو ذاك، ويا لكثرتهم، كيف أنها تنجح بحركاتها البهلوانية أن تحل كل العقد الطارئة. إذ إنها كما شرحت لي ونحن في الطريق بين العنابر، أنه “لكل موظف ثمن”، كما لكل ختم ملكه، كذلك لكل معاملة ملكتها، وإلاّ ستُرمى المعاملة في الدُرج، لتتعفن هناك.

كنت أحدق مندهشاً كالأطفال، وكأنني نازل من كوكبٍ آخر. في الواقع، كنت أسمع عن فساد الإدارات والمرافق العامة، لكنني لم أكن قد عايشت أمراً مماثلاً بشكل مباشر. ولقد كانت دهشة المخلصة أكبر، عندما أخبرتها أنني لا أستطيع القيام بهكذا أمر. وقد لاحظت توتري. وبدا أنني سأبدأ الحديث عن خرق القانون والمسؤولية المجتمعية وكل دروس التريبة الوطنية الفارغة. فعاجلتني بنظرة ساخرة وهزت برأسها.

في الحقيقة، اعتقد أنّ القيام بهكذا أمر يحتاج إلى جرأة وخبرة معينة ومراساً ما، إضافة إلى المعرفة بالأشخاص… خصوصاً بعدما ألمح لها قريبي أننا نريد تخفيض التكاليف، فقالت له سأخدمك بالحسم من أتعابي، على أن تحملا المعاملة وتنفذا ما أطلبه منكما، أي وضع “الحلوينة”، كما يسمون الرشى، لتلطيف الجو والتخفيف من الشعور بالجرم أو الذنب. الأمر الذي رفضته وطلبت منها أن تتولى الأمر ونحن نرافقها للمساعدة، في حال احتاجت إلينا في أمرٍ ما! وأن تنجز العملية بمعرفتها هي.

ما زلت أذكر الموظف السمين الذي رمقني بنظرةٍ فاحصة من أخمص قدمي حتى أعلى فروة رأسي. ولعله، بخبرته الطويلة قد لمس ارتباكي وسخافة الأسئلة المثالية التي تدور في رأسي، ومرد ذلك أغلب الظن، الإكثار في فترة الشباب المتحمس، من قراءة كتب جبران ومارون عبود وميخائيل نعيمة، وجمهورية افلاطون “لعنهم الله أجمعين”… فسألها عني، فأجابته أنه قريب صديقنا.

عندما خرجنا من عند الموظف السمين، الذي كان كرشه يغطي الدرج الذي يبقيه نصف مفتوح حيث تتساقط “الحلوينات”، أو “المعلوم” كما يقولون. وقيمة هذا “المعلوم”، هي معلومة بالفعل، وتكاد تكون شبه ثابتة ومتعارفاً عليها، عند كل موظف، وهي غالباً ما توضع داخل المعاملة، فهذا 50 ألفاً وذاك أكثر أو أقل وهكذا.

وكانت حصة الرجل السمين هي الأعلى كما فهمت، ربما لمنصبه على ما يبدو. فهمت من المخلّصة أن “الحلوينات” أو “الإكراميات”، أي الأموال المجموعة توزع كذلك على الموظفين غير المرئيين، الذين لا تمر المعاملة من أمام مكاتبهم مباشرة. عللّت المخلصة الأمر، بعد سؤال أفلاطوني من جانبي، عن سبب هذا الأمر، بأنّ رواتب هؤلاء الموظفين باتت لا تكفيهم، أو بالأحرى لم تعد تناسب المستوى المعيشي الذي باتوا يعيشونه. لقد بنوا لأنفسهم القصور الفخمة أو الفلل في قراهم، والشقق الفخمة في المدينة. ويملكون السيارات الفارهة والخدم وإلى ما هنالك ممّا درج عليه المجتمع اللبناني من مظاهر بذخ وتبجح في العقود الأخيرة.

المرفأ ثقب أسود

أضافت المخلصة أن هذا الأمر لا يقتصر على “جمهورية” المرفأ كما أسمتها، ولكنه ينسحب على جميع مرافق الدولة.  لقد كان كل شيء يشي بأن هذا المسار من الفوضى والمحسوبيات والتعامل غير الفني وغير المسؤول مع المستوردات، وفي المستوعبات التي كانت تشتمل على كل ما هب ودب، حيث يتم التلاعب بـ”المانيفستو” الخاص بالشحن لكل نوع بضاعة. وهذه كلمة علقت بذهني من أحد العملاء الذي كان عند المخلصة، وهي تطالبه بتأكيد الأشياء الواردة في لائحة الشحن، لأنها ستقطع من دون معاينة كاملة، وكله على طريقة الجوارير نصف المفتوحة، كحال جارور الموظف السمين… فيما كان العميل يقسم وقد بدا أنه يكذب، إذ كان يضحك ضحكة ساخرة، فهزت برأسها وقالت “كلكم مثل بعض لبنانيين شاطرين”. وأخبرتني لاحقاً أنها تعرف ماذا يستوردون في الحقيقة وماذا يكتبون في لوائح الاستيراد، إذ إنهم يعرفون “من أين تؤكل الكتف”، وبأنه لكل شيء ثمنه. وأضافت أن هذه ليست من الممنوعات التي يعاقب عليها القانون، وإنما بضاعة تكون تسعيرتها الجمركية مرتفعة، أو تكون تحتاج إلى معاملة أخرى منفصلة. أمّا مَن كان “أهبلاً” و”بسيطاً”، قادماً من دولة أوروبية ويقوم بكل أموره من دون الحاجة إلى هذه الخزعبلات، فإنهم يؤدبونه ويسلخون جلده، ويجعلونه يندم على الساعة التي قرر فيها، الاستثمار في لبنان… وإذا ما تأفف من الدفع هنا أو هناك، فترمى بضاعته بعد مصادرتها، في أحد العنابر، حيث سيطلبون منه دفع “الأرضية” والغرامة، إلخ. وتصادر البضاعة ومن ثم تُباع بالمزاد العلني، الذي هو عبارة عن تقاسم ممّوه للغنائم في ما بينهم… أدركت حينها أنّ هذا المرفأ هو عبارة عن دهاليز عميقة، أو ثقب أسود لا يمكن إصلاحه، وأن انفجاراً حتمياً أو حدثاً جللاً يمكن أن يحدث من جراء هذا التجمع العجيب لكل صواعق التهريب والتفجير والفساد.

عبر وخلاصات

لكن يبقى أبرز الدروس المستفادة ممّا أسلفناه، أنّ في حالة السبت الأسود 1975، يرى كثيرون من أهل هؤلاء الضحايا الأبرياء أنّ دماء أحبتهم الذكية قد عمّدت هذه الهوية الوطنية، ودفعت ثمن التجارب المريرة والأليمة لفهم قيمة الإنسان في وطنه.

وأن تكون هذه الأرواح الذكية فداءً لقيامة هذه الوطن. في أن نتعلم كيف أنه يتسع للجميع، وأن الغلو والاندفاع المتطرف لن يلغي أحداً، ويبقى القول إن قلةً من المتطرفين من أقدموا على تلك المجزرة، والشواهد كثيرة التي تحدثت، عن إنقاذ أو إخفاء كثير من “المسيحيين” لعائلات أو أفراد من “المسلمين” ممّن كانوا، آنذاك عرضة للخطف أو القتل في لحظات الهستيريا تلك. كما في المقابل تمنّع كثير من أقرباء وذوي المخطوفين في ذلك اليوم، فيما كان يُعرف بالمنطقة الغربية، عن الانجرار إلى حملة انتقام مشابهة، أو خطف “مسيحيين” أبرياء كانوا وظلوا مقيمين في تلك المناطق، كالحمرا وعين المريسة وغيرهما. وإن كانت أعمال عنيفة كثيرة وقعت آنذاك من قبل الميليشيات المتناحرة، على الطرفين.

ولكي لا تبقى مأساة الحرب الأهلية مقتصرة على الجملة غير المفيدة “تنذكر وما تنعاد”، التي تفيد “اللفلفة” اللفظية على الطريقة اللبنانية المعهودة، ولا تتعاطى مع حالة الحرب الأهلية كدرس اجتماعي قاسٍ يجب تدريس مخاطره ونتائجه المدمرة في المدارس لكي تعي الأجيال الأهوال التي انزلق آباؤهم وأجدادهم إليها… كما يتوجب على الأحزاب التي شاركت في هذه الحرب، أن تجري النقد اللازم والمراجعة العلمية والوطنية لخياراتها في الحرب، لالتماس الخيار الحربي العنفي، كسبيل لمواجهة الاختلافات السياسية… خصوصاً أنه يتناهى إلى السماع هذه الأيام أن بعض الأحزاب التي كانت تلعب دوراً كبيراً في الحرب لا تجد أنها ارتكبت أي خطأً في مجريات تلك الحرب ما يستدعي الاعتراف به وتصحيح النظرة عليه على غرار ما قامت به أحزاب اليسار وغيرها.

كذلك كان المشهد في انفجار المرفأ 2020، إذ تدافع الناس من كل أرجاء الوطن، للمساعدة في انتشال المصابين والبحث عن المفقودين منهم وإغاثة المتضررين، في واحدٍ من أرقى وأبهى مشاهد المواطنة والوطنية، بإزاء انفجار مروّع طاول الآمنين في منازلهم ومكاتبهم، وحوّل الأحياء والمباني والبيوت إلى ركام في لحظات… انفجار بدا كأنه مصير محتوم لمسار هكذا إدارات وحكومات تعاقبت على الإهمال والإجرام والفساد. ولم يتم التوصل بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر إلى كشف المتورطين والمسؤولين عن هذا الانفجار.

لكن، ما يؤلم ويولّد الشعور بالأسى والخيبة، أن كثيرين من اللبنانيين لم يتعلموا لا من الحرب الأهلية و لا من سلم الفساد البارد، الذي تلاها وهو يوازي حربين أهليتين وربما أكثر لناحية مفاعيله التدميرية من إفلاس البلد وهجرة ابنائه والسطو على ودائعهم وتغول الطبقة الفاسدة وتشبثها بشرايين الحكم وتوزيع المغانم في ما بينهم، ووأد حركة الناس الثائرة في 17 تشرين الأول. كل هذا وغالبية الشعب ما زالت تسير خلف زعمائها أنفسهم الذين قادوها إلى المقصلة والهاوية في الحرب الأهلية وفي السلم المزعوم والمسموم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *