الحرية مسار

جاد شحرور

يمكنني أن أستعرض أرقاماً وشواهد عن وضع الحريات في لبنان. لكن يبقى السؤال “هل لدينا هامش حقيقي للانتقاد وقول الحقيقة في هذا البلد؟”. جواب السلطة البوليسية التي سرقت الدولة من اللبنانيين، هو “الاستقرار مقابل الحرية”. أما جواب الشارع في مراحل سياسية مختلفة فهو “هذه المعادلة ساقطة”.

بدأت تزداد وتيرة القمع في لبنان، منذ العام 2016، مع نضج التسوية السياسية بوصول الجنرال ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، أكثر من 800 انتهاك إعلامي وثقافي حتى اليوم. وتحول هذا القمع من استدعاءات أمنية وتحقيقات غير قانونية ومنع أفلام، إلى مشهد دموي بعد 17 تشرين الأول 2019، وأصبح القمع ضرباً مباشراً للصحافيين وقتلاً متعمداً للثوار.

فعلياً، لا يمكن أن توجد الحرية في مناخ سلطوي قمعي. “حرية الفرد تأتي قبل احتياجات الدولة”، هذا هو الشعار الذي يجب أن تعيه السلطة الحاكمة. وحرية الصحافة والتعبير مبدأ ضروري وحق إنساني مكتسب، سلبته الأحزاب من المواطن اللبناني على مر السنين. الحرية تعني عدم وجود تدخل من السلطة تجاه كل ما يُكتب أو يُقال خارج مزاجها. يمكن النظر إلى حرية التعبير والأمان الاجتماعي على أنهما قطبان متقابلان. بمعنى آخر، الدولة البوليسية في لبنان تقول “الاستقرار مقابل حريتنا”، وهذه معادلة مرفوضة. من حقنا أن نستكشف المخاطر المحدقة بحرية الصحافة وحرية الفرد، في وطن يعمّه الفساد والقمع فحسب.

في المعركة الكبرى لتأمين الحرية وحقوق الإنسان إن ثورة 17 تشرين ليست على الجانب الصحيح فحسب، لا بل مصممة على أهدافها، وإن اختلفت أشكال الاعتراض وتفاوتت وتيرتها. تلك الأهداف هي تراكم، وتراكم محق يُبنى عليه وطن مستقبلي للجميع. وعلى الرغم من عيوب الثورة، فهي تجربة سياسية محقة ولها حريتها وعلينا حماية حريتها.

وربطاً بين الحرية كمفهوم وشكل ثورة 17 تشرين، لا يمكن أن يتبلور هذا المشهد إذا بقي في العاصمة. التغيير يبدآ من الأطراف، إن اكتسب الجنوب والبقاع والشمال الحرية السياسية، تكتسب العاصمة حريتها، والعكس غير صحيح.

الجنوب “كله يعني كله”، بموزاييكه الطائفي واللاديني، اليميني واليساري، يحق له قول ما يريد والانتفاض على واقع بلا عمل انمائي حقيقي.

وبشكل خاص، إن لم تكن الثورة في الجنوب في وجه هيمنة حزب الله وحركة أمل، كما في المناطق الأخرى، فلن يكون هناك مشهد سياسي متحرر. وهذا المشهد ليس من محض الخيال، فقد تحقق ولو لأيام في بداية ثورة 17 تشرين. الحرية التي أتكلم عنها، هي تحقيق وطن نحب ونحترم ونقول فيه الأمور كما هي.

الحرية ليست رصداً لانتهاك هنا أو هناك فحسب، هي مسار سياسي نضالي جماعي وليس فردياً ولا بأي شكل من الأشكال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *