جدلية الشعبوية- النخبوية في خطاب الانتفاضة

جورج عازار

بعد مرور عام على اندلاع الثورة الشعبية في السابع عشر من تشرين الأول 2019، لا يزال تُطرح حولها الأسئلة وتثار علامات الاستفهام لدى كثيرين، خصوصاً في ظل الانقسام السياسي والشعبي، بغض النظر عن اعتراف الجميع بأحقية المطالب التي تحملها.

على الرغم من ذلك، لا يمكن إنكار أن ثورة 17 تشرين شكلت حدثاً مؤسساً لوعي جديد في المعارضة الشعبية، في وجه سلطة الطوائف وشبكاتها المافيوية الحاكمة. ومما لا شك فيه أنها أفرزت مستويات متفاوتة من الخطاب السياسي وفي تنوع الفئات المتبنية لهذا الخطاب.

في هذا الإطار، تُتهم قوى الانتفاضة بالشعبوية أحياناً. وهذا المصطلح يعني رفض الجماهير للنخب الحاكمة، وفي بعض الأحيان لنخب الثقافة وللأيديولوجيا المسيطرة على المشهد السياسي، لمصلحة الشعارات الوجدانية التي تُحاكي الهواجس والهموم المباشرة للمواطنين.

وقد عرف قاموس “أكسفورد” الشعبوية بأنها “ضرب من السياسة يسعى إلى تمثيل مصالح ورغبات الناس العاديين الذين يشعرون بأن جماعات النخبة المترسخة تتجاهل شواغلهم”.

على هذا الصعيد، شكلت عبارة “كلن يعني كلن” الشهيرة ماركة مسجلة للحراك الثوري الرافض لكل قوى السلطة الحاكمة. وبدت كأنها جسر عبور نحو التفلت من خناق الانقسام العمودي، الذي قسم المواطنين والمجتمع بين خندقي 8 و14 آذار.

إلا أن المعضلة بدأت تتجلى عندما تحول المصطلح إلى صنم رافض لأي شكل من العمل السياسي الواقعي. وقد نسف أي فرصة للاستفادة من صراع أفرقاء السلطة واللعب على التناقضات لمصلحة الثورة وتفكيك النظام، عبر تفجيره من الداخل، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى تفكك قوى الحراك الثوري نفسه، التي يجمعها العداء للنظام من دون عقيدة أو برنامج مشترك.

على الضفة المقابلة لتهمة الشعبوية، التي استحقتها المجموعات التشرينية في كثير من الأحيان، تترسخ عند تنظيمات بعيدة عن الشارع معالم خطاب أكاديمي نخبوي غير ملتصق بالأرض (بالمعنى الحركي). ويعول هذا الخطاب على عاملين أساسيين: الانهيار (أزمة النظام) وآمال بضغط خارجي من المجتمع الدولي. الأمر الذي قد يدفع السلطة إلى تقديم تنازلات لتشكيل نسق جديد لنظام يتسع للمعارضين “الجادين”، عبر المفاوضات.

المشكلة في هذا الخطاب، أن أصحابه يجردون أنفسهم من الأدوات النضالية الشعبية، التي تمثل القوة الذاتية المكونة لرأي عام أكثر تقدمية، وقاعدة جماهيرية مؤسِسة لنظام أكثر عدلاً. ويقفزون فوق واقع أن قوة الطوائف في السلطة ليست واقعاً مجتمعياً فحسب، بل هي امتداد لنفوذ إقليمي ودولي في البيئة المحلية (إيران، السعودية، أميركا… الخ).

يبقى السؤال- المهمة، هو كيف نلائم بين الحاجة إلى تطوير برامج طويلة المدى بأهداف تتعدى الهمّ الآني، وبين إشراك الجماهير الشعبية واستقطابها عبر شعارات وأهداف تعنيها وتلامس تطلعاتها؟ من المؤكد أن الجواب عن هذا السؤال، لن يأتي إلا بعمل مشترك جبار بين مكونات الحراك الثوري، هدفه إنتاج برامج حديثة التغيير، تلامس الواقع وتقفز فوق حواجز الصمم والعجز في الخطاب والفعل. وهذا الأمر على صعوبته ليس بالمهمة المستحيلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.