ديمقراطية وانتخابات وأسئلة لا أجوبة لها

سلام بدر الدين

“أسعدية وزينية واهتزي يا نبطية”. وقد تتغير القافية بتغير اسم العائلة السياسية أو المنطقة الرازحة تحت سيطرتها لأجيال عديدة تجاوزت ثلاثة أو أربعة أجيال في بعض الأحيان. إنه نموذج لواحد من هتافات موسم الانتخابات في الجنوب اللبناني في مرحلة الخمسينات والستينات وبداية السبعينات.

فيما كانت دول العالمين الأول والثاني تبني آليات اختيار ممثليها على أساس برامج الأحزاب المتنافسة بحسب مراحلها التاريخية وحاجات الجماعات للتطور والنهوض، كنا نبني خياراتنا على أساس حكم العائلات السياسية المدعومة لزاماً من العائلات الدينية.. فتقريباً لكل عائلة سياسية رديفها الديني المؤثر في توجيه الناخبين وغسل أدمغتهم بمختلف الأساليب التي لا تزال مستخدمة حتى اليوم في جميع أنحاء الوطن المسكين. وبالطبع لم تكن هذه الخدمة أو هذه الشراكة مجانية الدعم. فنجاح العائلة السياسية يعني نجاح وسيطرة وثراء العائلة الدينية وتأمين الموارد والوظائف للأبناء والأقارب والمقربين والحاشية. وإن عز ذلك ولم يكن من رديف ديني للزعيم السياسي في بلدته أو منطقته، كان يأتي برجل دين من منطقة أخرى ويزرعه لسدّ الفراغ الديني الداعم للسلطة السياسية. فتتحقق بذلك الديمقراطية الحقة التي كان من أسس قيادتها توجيهات الداعم الروحي حيث لا يخفى على أحد امكانية هؤلاء في استخدام العنصر الديني وأدواته لتوجيه الناخبين المتمسكين بضرورة الرجوع في كل شاردة وواردة إلى إشارة واستشارة المرجع الديني الذي كان خاضعاً بدوره لمرجعية أعلى.

على الرغم من ذلك كان النظام اللبناني هو الأكثر تميزاً ديمقراطياً في محيطه العربي الذي كانت طبقته السياسية الحاكمة تتشكل تبعاً للتوريث الأبدي والملكية والمؤامرات والتعيين جراء التبعية للقوى الخارجية. هكذا كانت السلطتان السياسية والدينية تبنيان ديمقراطية لبنان المشوهة في الأصل على اختلاف المناطق والطوائف والجماعات.

لم يكن مفهوم الزعامة السياسية الحزبية بمفهومها الحالي موجوداً من قبل لأن هذه الزعامات وليدة شروط انهاء الحرب الأهلية وإن كان الثمن حكم زعماء الميليشيات. فما كان من هؤلاء إلا أن تحكموا بشروط اللعبة ووضعوا قوانين انتخابية مفصلة على قياس مصالحهم ومصالح جماعاتهم التي عملوا على ازدياد أعدادها واحتوائها وتدجينها لمدة تزيد عن الثلاثين عاماُ حتى وصلنا إلى ما نحن فيه.

أسئلة لا أجوبة لها.

ولكن.. أين النخب؟ أين الأحزاب الوطنية والتقدمية؟ أين قوى الممانعة والمعارضة؟ ولم لم تكن قادرة على اجتذاب وتوسيع قواعدها وتمكينها؟ لم لم تكن قادرة على الوقوف في وجه المد الذي كان يتسع ويتمدد يوماً بعد يوم من دون تكوين أو محاولة بناء عوامل فاعلة تحميها، أولاً، وتحمي المجتمع تالياً من سطوة هؤلاء؟ ولم بقيت تشكل أقلية غير فاعلة في عملية التغيير المفترضة والمطلوبة؟ هل كان السبب تسلط وقوة زعماء السياسة فقط؟ وماذا فعلت هذه النخب لتكون مثالاً يحتذى في ديمقراطية الممارسة على الأقل في عقود ماضية عندما كانت في أوج تألقها وزمانها الذهبي؟

والآن.. بعد 17 تشرين (الأول 2019)، وبعدما خرج اللبنانيون إلى الشارع وبات مطلوباً تشكل قوة قادرة على التغيير والوقوف في وجه الظلم الاجتماعي والسياسي والديني والقضائي والاقتصادي، ماذا تغير لدى هذه النخب المنفصلة المتباعدة نسبياً، الراغبة في غالبيتها في أن تكون هي الشارع وهي المعارضة وهي المنتصرة راكبة على جهود المنتفضين وجماعات الحراك والمواطنين المستقلين المطالبين بإصلاح نظامهم وأمور وطنهم وتصويب المسار الديمقراطي الفعلي؟ هل كانت على الأقل مثالاً يجب أن يحتذى في مسارها النضالي ونياتها التي لا شك فيها برغبتها في التغيير؟ وهل كانت إحداها قادرة على تجاوز الرغبة القاتلة المتمثلة بمقولة “أنا أو لا أحد”؟ وهل هذه هي ديمقراطية النخب المعارضة؟

مسارها هزل أمام التحديات وأمام ديمقراطية الأتباع والمحظيين، فهم الأكثر عدداً والأكثر استفادة وهم جيش الطبقة التي أنتجتها ظروف الحرب الأهلية والولاءات الخارجية، ونحن محكومون بديمقراطية هؤلاء ما دامت نخبنا لا تعرف الديمقراطية الحقيقية التي، في رأيي، لم تعد تنفع فيها حتى الديمقراطية السقراطية ما دمنا ننسج على هذا المنوال مواطنين وقوى وطنية.

بعد 17 تشرين.. الآتي كالسالف مع فارق رسمه هذا الحراك وهذه الانتفاضة. فارق لا يشكل عاملاً تغييرياً حاسماً، وخسائر الطبقة السياسية الحاكمة ما زالت محدودة، وإن كانت موجودة. ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، الأمل ليس كبيراً في أن يشكل الوضع اللبناني الكارثي عامل توعية يدق على أبواب صحوة المواطن الممسوك والذي سيدلي بصوته بعد سنة تقريباً.

الطريف في الأمر، وربطاً بمسألة ونظرية النخب والعامة لدى سقراط، فإن نخبنا تنتظر تشكيل حكومة سعد الحريري .. “أو أنا غلطانة”؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *