الاستعراضات القضائية والعدل المفقود

ناجي طاهر

هل القاضية غادة عون هي مثل القاضي الإيطالي جيوفاني فالكوني؟ هذا القاضي الذي لم يخشَ المافيا الإيطالية وتشبّث بموقفه الرامي إلى محاكمة رموز المافيا الصقلية وسوق أفرادها إلى العدالة، على الرغم من التهديدات ومحاولات الاغتيال التي مارستها المافيا علانيةً.. لكن هذا القاضي الشجاع استمر على رأيه وعمله ولاقى مساندةً شعبية تمثلت في انطلاق تظاهرات التأييد والدعم له.. وقد دفع حياته ثمناً لهذه الشجاعة والنبل وسمو الضمير والشعور بضرورة احقاق العدالة، التي كلفته حياته في نهاية المطاف، بتفجير أعدته المافيا، التي كشف العديد من شبكاتها وطاول كبار رموزها.

350 كلغ من المواد الشديدة الانفجار كانت حمولة السيارة التي ركنتها في الطريق التي كان يسلكها القاضي مع عائلته وحراسه.

لكن، لماذا لا يكون الأمر عندنا على هذا النحو؟

للإجابة عن هذا السؤال المشروع، لا بد من البحث عن آلية وصول الموظف إلى المراكز العامة الحساسة في الدولة، وكيفية الوصول إلى هذه المناصب. وقد يكون سبب عدم وجود قاض فالكوني لبناني هو هذا السبب بالتحديد! لأنه لا يوجد في لبنان موظف بحت أو موظف “ابن الدولة”، بمعنى أنه وصل إلى موقعه بجدارته وعبر آليات التوظيف المتبعة في الدول التي تحترم نفسها وشعبها.. وإنما وصل بمعية هذا الزعيم أو ذاك، وبالتالي يصبح واحداً من “جيش”  الموظفين المحسوبين على هذه الجهة أو تلك من هذه الطائفة أو تلك.

هكذا، لن يكون ثمة موظف واحد يمكن القول إنه موظف (أو قاض) مستقل عن الجميع، وبالتالي يمكن من موقعه المتعالي عن الولاءات الحزبية أو الطائفية، أن يكون بمثابة “ابن الدولة” وحزبها هو ميزان صوت العدل وضمير الناس وصمام أمان الدولة، كمؤسسة شرعية ومرجعية تفصل بالحق والعدل بين جميع المواطنين، وراعي النظام العام والمخوّل الوحيد في العقد الاجتماعي لممارسة “العنف” المشروع، الذي تنظمه القوانين. ذاك العقد السياسي/ الاجتماعي المفقود في حالتنا اللبنانية، الذي كان من وراء شروط نشأة الدولة بعامةٍ وولادتها وولايتها وديمومتها، النظرية والتاريخية والمعنوية، فوق المكان والزمان، المتعارف عليه بين الدول الأُخرى والأمم.

لهذا كله لم تكن لا غادة عون ولا أي قاضٍ آخر يتحرك اليوم بفعل رغبة الجهة السياسية المحسوب عليها، ووفق حاجتها السياسية، بمثابة “ضمير الدولة الحي”، الذي ينشده الناس.. وإنما تحوله إلى “مدفع” آخر في أتون الفساد ولكي يفتح ملفات يناكف بها الجهة التي تدعم القاضي الآخر. وهكذا، فإننا أمام مهزلة قضائية غير مسبوقة في جر القضاء العاجز أصلاً عن محاكمة أحدٍ من السياسيين أو الفاسدين، إلى حلبة السجال السياسي والدفع بالكيدية الحزبية إلى آخر مداها.

وقد دلّل على هذا “الدرك” الغريب الذي وصلت إليه الحال، قول أحد القضاة المتقاعدين، إن “استعانة القاضية عون بميليشيا تابعة لتيارها السياسي، لتنفيذ مداهمة تفتيش، أمر لم يحصل في زمن الحرب والميليشيات..”. الأمر الذي جر إلى جملة سلوكات مشابهة لناحية إحالة القاضية المعنية للمساءلة والتأديب من جهات قضائية أعلى رتبةً ومحسوبة على جهات سياسية معارضة لتيارها السياسي. إضافة إلى إثارة قضايا فساد تطاول موظفين محسوبين أو مقربين من تيار هذا القاضية. وفيما قد يبعث هذا على التفاؤل والاستبشار خيراً، أن هذا الفضح المتبادل لملفات هذه الطبقة الحاكمة سيؤدي إلى كشف فسادها وفشلها في إدارة البلاد.

غير أن الواقع يشير إلى أننا لسنا أمام يقظة ضمير ولو متأخرة من قبل القضاء لمكافحة الفساد والفاسدين، وإنما أمام حالة من الاستخدام السياسي عبر التلويح بفتح هذه الملفات، غرضها الأساسي، ابتزاز الطرف الذي لجأ إلى هذه الطريق، أنه خط باتجاهين ولكل جهةٍ سياسية أيضاً، قضاتها وأجهزتها الأمنية وبالتالي قدرتها على القيام بمثل هذه “الهمروجات” الإعلامية والاستعراضات التلفزيونية، التي بتنا نعرف نهاياتها التقليدية، المتمثلة في “لفلفة” وإقفال الملفات بالتساوي والتراضي، لأن هذه الطبقة متشابكة المصالح ومتساوية في درجة الفساد والتواطؤ، وكله على مبدأ التركيبة اللبنانية العظيمة، 6 و6  مكرر.

وهذا دليل إضافي على الحضيض الذي وصلت إليه أحزاب السلطة، ودفع بها إلى استخدام الأوراق التي في أيديها، حتى القضاء، بعدما فشلت في تلميع صورة وجودها وانكشاف فسادها وتبعيتها.

ولهذا دلالات عميقة على غلبة المستوى السياسي وسطوته على أيِّ معيار آخر، ولو كان هذا المعيار هو الصمّام القانوني والحقوقي، الذي يفترض به أن يبقى منزهاً عن الحزبيات والعصبيات. ولعل من إيجابيات هذه “الظاهرة” القضائية المتبادلة بين قوى السلطة، أنها دكت الأسافين الضرورية في نعش القضاء اللبناني المترهل، الذي تكشفت أمراضه وفساده هو الآخر في عجزه المتمادي في معالجة قضايا البلد والناس الداهمة، من السطو على ودائع الناس إلى عمليات الفساد المستشري في إدارات الدولة وقطاعاتها، من الكهرباء والمرافق الأخرى وصولاً إلى انفجار المرفأ المدوي.

لهذا كله لن يكون لدينا قاضٍ كالقاضي الإيطالي ما لم يصلح جسم القضاء برمته من طرق وصول أو تعيين القضاة وفق “الكوتات” الطائفية، وأن يتم تحقيق استقلال القضاء عن السياسة والسياسيين، حينها يمكن أن نستبشر بامكانية ولادة القاضي “فالكوني” اللبناني، ويحق للبنانيين حينها أن يخلدوه بفيلم أو تمثال كما الحال مع القاضي الإيطالي، إذ تم تكريمه بفيلم سينمائي حصل على العديد من الجوائز.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *