لمن يشتكي العمال في عيدهم؟

سعيد عيسى

دخل الاقتصاد اللبناني مع بداية العام 2019 ولغاية اليوم في وضعية الركود الاقتصادي التضخمي مع انكماشات في معظم قطاعات النشاط الاقتصادي، بالتوازي مع ارتفاع ملحوظ في معدلات تضخم الأسعار بنسب تفوق 350 في المئة، كما يواجه لبنان أزمات سياسية واقتصادية ومالية ومعيشية أدت إلى ارتفاع معدلات الفقر لأكثر من 50 في المئة، وتفاقم البطالة والتضخم المالي وانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، وسط تراجع متسارع في النقد الاحتياطي.

ونتيجة للأزمة المالية والاقتصادية، وجائحة كورونا، والإجراءات التي أقدمت عليها المصارف اللبنانية، وتدهور سعر صرف الليرة اللبنانية وتراجع قدرتها الشرائية، وبلوغ معدل التضخم السنوي 84.9% وهو رقم غير مسبوق في السنوات الثلاثين الماضية، أقفلت آلاف المؤسسات وصرفت عمالها دون تعويضات تذكر تحت حجة الظروف الاقتصادية القاهرة، وتوقعت منظمة الإسكوا أن يصل عدد العاطلين من العمل في نهاية سنة 2020 إلى حوالي مليون شخص، وبلغ عدد المؤسسات التي أقفلت وتتعاطى الطعام والشراب حوالي 785 مؤسسة لغاية شباط من السنة الماضية، وفاق عدد العمال/ العاملات المصروفين من تلك المؤسسات 25 ألفا.

ومع تفشي حالات المصابين بفيروس الكورونا وتفاقم الهلع المرتبط به، ذهب بعض أصحاب العمل نحو اتخاذ إجراءات صارمة بحق أجرائهم، تراوحت بين إلزام هؤلاء بالمكوث في منازلهم مع تخفيض معاشاتهم أو حسم أيام المكوث في المنزل بالكامل من المعاش، أو فرض حجر ذاتي لمن أصيب بالكورونا وحسم الأجر عليه.

يبلغ عدد المقيمين في لبنان في سن العمل أي بعمر 15 سنة وما فوق 3776000 شخص تقريباً، وهم ينقسمون إلى فئتين كبيرتين: القوى العاملة ومن هم خارج القوى العاملة. شكلت القوى العاملة الفعلية 1794000 فردا، والباقي أي 1883000 يشكلون من هم خارج القوى العاملة ويعيشون على حساب القوى العاملة الفعلية، وتنقسم القوى العاملة بدورها إلى فئتين: العاملون وبلغ عددهم 1590000 فرد، والعاطلون من العمل والذين بلغ عددهم 203000 شخص تقريبا. إنّ أكثر من 85% من القوى العاملة يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية وما لا يقل عن 60 في المئة منهم مسجلون في الضمان، ويتقاضون أقل من مليون ونصف المليون ليرة لبنانية شهرياً، وكل هؤلاء فقدوا مع انهيار الليرة اللبنانية 85 في المئة من قيمة رواتبهم ومن قدرتها الشرائية. أما الذين يتقاضون منهم الحد الأدنى للأجور البالغ 675000 ليرة لبنانية فباتوا يتقاضون 54 دولارا في الشهر أي بحدود دولارين اثنين في يوم العمل الواحد، وهؤلاء أصبحوا ضمن فئة “الفقر المدقع”. وبالنسبة للذين يتقاضون بحدود مليون ونصف المليون ليرة أصبحوا يتقاضون بحدود 120 دولار في الشهر، أي نحو ستة دولارات في يوم العمل الواحد. وكمعدل وسطي يتقاضى 85 في المئة من القوى العاملة الفعلية بحدود أربعة دولارات يومياً. ويعيش على عواتق هؤلاء من هم خارج القوى العاملة والعاطلون من العمل والأطفال دون سن الخامسة عشر وكبار السن، ممن هم فوق الخامسة والستين، وهؤلاء باتوا يصنفون ضمن فئة الفقراء.

وفي العام 2020، انخفضت معدلات التشغيل في القطاعات الرئيسة في القطاع الخاص النظامي عن العام 2019 بمتوسط قدره 23 في المئة من العاملين بدوام كامل. ومن بين القطاعات التي تستوعب أعدادا كبيرة من اليد العاملة، سجّل قطاع البناء أعلى معدلات الخسارة في الوظائف بدوام كامل (40 في المئة)، يليه قطاع الفنادق والمطاعم (31 في المئة)، وقطاع الصناعة التحويلية (27 في المئة)، وفي الشركات المتضررة من انفجار المرفأ لحقت أكبر الخسائر بدوام كامل، وكانت النساء العاملات الأكثر تكبداً للخسائر.

كما أدت جائحة كورونا والانهيار المالي والاقتصادي إلى انخفاض الطلب على اليد العاملة بدوام كامل في المؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر التي يعمل فيها القسم الأكبر من الفئات الفقيرة المعرضة للمخاطر. إذا انخفض الطلب على اليد العاملة بمقدار النصف تقريباً في المؤسسات المتناهية الصغر، وبمقدار الخُمس في المؤسسات الصغيرة ووضع العديد منها على حافة الإفلاس. ويشكل العاملون في المؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر نحو 91 في المئة من اليد العاملة بدوام كامل. لكنه بات 45 في المئة منهم يعانون من الفقر المتعدد الأبعاد.

إذا، القوى العاملة في لبنان بالإجمال واقعة بين الفقر والفقر المدقع، وهي بحاجة ماسة للحماية الاجتماعية، إذ لم تعد أجورها تكفيها، ولا تؤمن لها ما تحتاجه من غذاء ودواد وسكن وتنقل، ولا بدلات النقل ومنح التعليم إذا كانت تتقاضاها باتت تكفيها في معاناتها من البطالة المرتفعة التي تحرمها من الطبابة والضمان الصحي والاستشفاء ومن دفع أجور مساكنها وغذائها ولبسها. وليس لديها حماية من البطالة، وهي بأمس الحاجة إلى صندوق بطالة يحميها من شر العوز والفقر التي هي واقعة فيه.

(الصورة: عباس سلمان)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *