25 أيار و17 تشرين محطتا فرح وأمل

عماد عامر

كان يوم 25 أيار 2000 طبيعياً في مدرستي الجنوبية الواقعة بين ثلاث قرى: الخلوات والكفير وميمس. وكانت تلك القرى على تماس مع المنطقة التي يحتلها العدو الإسرائيلي. ومع تقدم ساعات الصباح وازدياد أصوات الطيران الحربي والغارات الوهمية والتحليق على علو منخفض، بدا الإرباك جلياً على المعلمين والنظار. وكانت الحركة مريبة داخل أروقة المدرسة وخارج أبواب الصفوف. أخبرنا بأنه سننقل إلى المنازل في “بيك أبات” مكشوفة، خشية أن نستهدف من الطيران الحربي، فقد يشتبه بأن الفانات المدرسية المغلقة تقل مقاتلين مقاومين.

مع وصولي إلى المنزل كانت الأخبار تتوالى عن انسحاب العدو من الجنوب، وكانت المسيرات الراجلة والسيارة تنطلق نحو القرى المحررة. حين أعربتُ لوالدتي نيتي بالتوجه إلى القرى المحررة تفاجأتُ أنها وافقت، رافقتني أنا ابن السنوات التسع إلى الطريق العام، واستوقفت أحد أبناء القرية طالبة منه اصطحابي إلى حاصبيا المحررة.

وصلنا إلى مفترق زغلة، أول مركز عسكري إسرائيلي والبوابة الأولى للاحتلال. كانت الأجواء جنونية، لا يمكن فهم أو شرح تلك المشاعر، ولا يمكن التعبير عن السعادة التي كانت مرسومة على وجوه الناس على الطرق وفي السيارات. كان الناس يسرعون لدخول المراكز العسكرية، يتسلقون المدافع المتروكة فيها، يرفعون العلم اللبناني عليها، يتسلقون الدبابات التي تركها العدو على جوانب الطرق، يرفعون شارات النصر… التقت مسيرة عين قنيا مع مسيرة شويا وسط اطلاق كثيف للنار ابتهاجا حتى غطت الطلقات الفارغة الطريق.

إنه يوم التحرر. و التحرير يعلن عن مرحلة مقبلة يغمرها الأمل بأيام أفضل.

كان 17 تشرين الأول 2019 كذلك طبيعياً في الجامعة اللبنانية، حيث أتابع دراسة الماستر في التنظيم المديني. كنا ننقاش مع استاذ “علم الاجتماع المديني” محتوى المقرر الذي سنتلقاه خلال ذلك الفصل الدراسي. لفت انتباهي عنوان “the grassroots movements” أي “الحركات القاعدية أو الحركات في الجذور”. كنت أنتمي إلى إحدى الحركات القاعدية تلك، ورفاقي في ساحة رياض الصلح يعتصمون ضد الضرائب الجائرة التي كانت قد أقرتها الحكومة صباح ذلك اليوم. انتهت الحصة عند الساعة السابعة تقريباً، خرجت لأشاهد الفيديوهات والرسائل التي وصلتني عن إطلاق النار في الهواء من مرافقي أحد السياسيين الذي صودف مروره أمام المتظاهرين.

وصلت إلى شارع الحمرا حوالى الساعة الثامنة، وكانت المسيرة قد أصبحت أمام وزارة الداخلية والبلديات ومتجهة نحو نزلة سبيرز. كان الناس، كل الناس، متجهين نحو المسيرة وكأنهم زخات مطر غزيرة تتجه نحو الأرض. ركنت سيارتي بالقرب من مسرح المدينة وركضت لالتحق بالرفاق والرفيقات. كانت أعداد المتظاهرين هائلة ووجوههم ليست غريبة. الأجواء كانت جنونية، اتجهنا إلى نفق برج المر وانقسمنا في الاتجاهين، والتقينا على جسر الرينغ. وكان شباب الخندق الغميق قد قطعوا نفق سليم سلام، أقفلنا الرينغ وبعدها اتجهنا نحو رياض الصلح مروراً بساحة الشهداء والعازارية. بدأت تصلنا أخبار المناطق والتحركات. أقفل لبنان على صيحات الشباب والصبايا. وبدأ ليل 17 تشرين بوجوه ضاحكة وفرح الناس. لن أنسى ابتساماتهم يوماً.

إنهما يوما التحرر والتحرير، يعلنان عن مرحلة مقبلة يغمرها الأمل بأيام أفضل.

وما بين 25 أيار 2000 و17 تشرين 2019، الظلم واحد والاضطهاد واحد والمحتل واحد، ويبقى الناس يخوضون معارك التحرير ويهللون للحرية والعدالة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *