إعلان 13 نيسان… وشروط قيام جبهة معارضة سياسية

ناجي أبو خليل

يحظى موضوع المعارضة السياسية وخريطة تحالفاتها بحيز واسع من الاهتمام لدى الإعلام والرأي العام. ويقوم ذلك على حس واقعي بأن بناء معارضة موحدة شرط المواجهة مع السلطة، فأي من الأحزاب والمجموعات على اختلاف الأحجام والآراء غير قادر منفرداً عن القيام بهذه المهمة الصعبة. وغالباً ما يتحول هذا الاهتمام لدى الإعلام والرأي العام إلى نقد وتهكم ناتجين عما ينظر إليه كعجز يتحكّم بالأحزاب والمجموعات التغييرية عن تقديم صورة موحدة أو بديل مقنع. وقد قيل كثيراً في تعليل ما يوصف بفشلها في إنتاج إطار تنظيمي واحد. ويبقى الاتهام الأكثر شيوعاً اتهام أعضائها بتغليب الأنا على الجماعة والمصلحة الشخصية على المصلحة الجماعية. وإن كان لا بد من الاعتراف بدور للأنانيات المنفعلة، إلا أن في الأمر كثير من التبسيط لواقع الأمر، وهو أكثر تعقيداً من ذلك بأشواط.

إن تشخيص واقعنا كمعارضة سياسية للمنظومة ينطلق أولاً من ضرورة تحديد العقبات القائمة من دون توحيدها في ظل واقع المواجهة الآنية مع السلطة والانهيار الاقتصادي والمالي المتسارع، الذي يفرض علينا من وجهة نظر كثيرين مقاربة براغماتية، حسابية وانتخابية، تقول بضرورة إنتاج ميزان قوى سياسي وشعبي قادر على مقارعة المنظومة. تتسم هذه المقاربة في ظاهرها بالحس السليم، ويقول من يدافع عنها ما معناه: نتفق اليوم ونختلف غداً بعد المعركة الانتخابية مع السلطة. ولكن، في المقابل، إن هذا الطرح ولو يبدو مبرراً إلا أنه غير كافٍ.

فإن كان لا بد من أخذ العامل الحسابي بالاعتبار، فإن شرط نجاح رهان القوى والأحزاب المعارضة على قدرتها على مخاطبة الغالبية الصامتة من الشعب والتي نزعت ثقتها عن السلطة السياسية يتطلب مقومات وشروطاً إضافية، كتوحيد الطرح السياسي الواضح وكسب صدقية لدى الناس وتوفير أدوات العمل السياسي الحديث من مال وإعلام. وهذه الشروط تطرح علينا أسئلة أساسية لا بد من الإجابة عنها في مسار بناء أي جبهة معارضة.

هل كل من يعارض السلطة هذه في العلن يصبح تلقائياً جزءاً من المعارضة، وكيف تؤثر صدقية كل من المكونات على صدقية المعارضة ككل؟ وهل باب التوبة مفتوح لمن كان في السلطة أو تحالف معها أو شاركها خنادق الحرب الاهلية؟ وهل هذه المعارضة مطالبة بتوحيد برنامجها السياسي، الاقتصادي والاجتماعي، قبل أن تطل على اللبنانيين أم تحرص على تحييد المواضيع التي تعتبر خلافية لتسهيل عملية الجمع الحسابية كما حصل في العام 2018؟ وهل هناك من إمكانية لبناء معارضة حقة تكسب صدقية شعبية، تحيد حزب الله عن باقي الطبقة السياسية وتؤجل الحديث عن سلاحه بما يشكل من مادة خلافية بين اللبنانيين؟

منذ 17 تشرين الأول 2019، إن البحث مستمر عن أجوبة لهذه الأسئلة بين الأحزاب والمجموعات التي شاركت في الثورة. وتميزت المرحلة السابقة بكثافة اللقاءات الحوارية والنقاشات والمحاولات المنقوصة لبناء جبهات وقد سمحت، وإن لم تحسم المسائل كلها، بإنتاج ثوابت يتشاركها عدد كبير من القوى الأساسية في بيروت والمناطق.

الثابت الأول هو أن أي معارضة لهذه المنظومة لا بد أن تنطلق من موقع وطني غير طائفي، ممارسة وقولاً، وتبني شرعيتها وشعبيتها بناء على خطاب يتوجه إلى المواطنات والمواطنين من دون تمييز ويدير ظهره بشكل لا لبس فيه للاعتبارات الطائفية في الخطاب السياسي. إن هذا الثابت ينطلق أولاً من مقاربة مبدئية تؤمن بأن شرط التغيير هو الخروج من المعادلات الطائفية الضيقة إلى الأفق الوطني الأوسع، وبأن مواجهة تحديات المرحلة الآنية الاقتصادية لا يمكن أن تختصر مسار التغيير. إن الهوية الوطنية غير الطائفية هي أيضاً ضرورة من منطلق براغماتي وحسابي بحت، بما تشكل من ضمانة للتوجه إلى الغالبية الصامتة التي عادت إلى قواعدها الطائفية بعد انكفاء ثورة 17 تشرين، ولعدم إقصاء أي جماعة او طائفة عن الحالة التغييرية فنضعف من قدرتنا على بناء ميزان قوى ضد السلطة. وهذه الهوية الوطنية ضمانتنا كي لا نتحول من معارضة وطنية إلى مجرد عامل تغيير في موازين القوى الطائفية بين أقطاب السلطة.

الثابت الثاني هو أن هذه المعارضة مطالبة بطرح سياسي اقتصادي اجتماعي، يحاكي ليس الأزمة الاقتصادية المالية التي يجتازها لبنان حاليا فحسب، بل يقترح حلولاً لمسببات هذه الأزمة. النأي عن السياسة والالتزام بالحيز المطلبي لا يعبر عن سوء تشخيص لطبيعة الأزمة اللبنانية فحسب، بل لا يحمل في طياته مستلزمات الخطاب السياسي القادر على التوجه إلى أعداد كافية من اللبنانيات واللبنانيين وتجييشهم في مواجهة المنظومة. وإن كان الحديث في التفاصيل ما زال مدار بحث وخلاف، فإن ما دار من نقاشات ولقاءات قد سمح بإنتاج أرضية توافق واسعة ومريحة في شأن مواضيع أساسية كالنموذج الاقتصادي، علمانية الدولة، الاستراتيجية الدفاعية والعلاقات الخارجية. ولعل إعلان 13 نيسان كان التبلور الأكثر وضوحاً لقدرة الأحزاب والمجموعات على إنتاج طروحات جذرية تبارز بها السلطة السياسية، وتعرضها على الرأي العام.

الثابت الثالث هو الموقف الواضح وغير الملتبس تجاه “نادي الستة”، عنينا به تيار المستقبل، التيار الوطني الحر، القوات اللبنانية، الحزب التقدمي الاشتراكي، حركة أمل وحزب الله، باعتباره (أي النادي) عمود المنظومة وقوتها المالية والعسكرية ومفتاح التدخل الأجنبي في لبنان. إن هكذا موقف هو شرط بناء “عصبية المعارضة” وإثبات صدقية مكوناتها تجاه الرأي العام بتنوع مشاربه وانتماءاته. فشعار “كلن يعني كلن”، كان جسر عبور ثورة 17 تشرين إلى المناطق وكان شرط صمودها في وجه الخطاب التخويني الذي امتهنته أحزاب الطوائف تجاه من انشق عن الطائفة.

إن هذه الثوابت قادرة على غفراز معايير تسمح بتحديد إطار المعارضة السياسية لهذه المنظومة وإنتاج ديناميكية إيجابية توحيدية تحث القوى المعارضة على التماشي والتأقلم معها. ويطمح إعلان 13 نيسان الذي انطلق من الكتلة الوطنية رفقة مجموعات أساسية كالمرصد الشعبي وتحالف وطني و13 مجموعة غيرها، إلى تجسيد هذه الثوابت والسعي إلى بناء أكبر إطار معارض ممكن يحمل طرحاً سياسياً واضحاً يتوجه إلى الأغلبية الصامتة من اللبنانيات واللبنانيين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *