“سجاد” واللقاح والصوت صوتك

نبيلة أبو طعام

تشكل جائحة كورونا، وما يرافقها من خوف، والأزمة الإقتصادية وما يرافقها من قلق، فرصةً ذهبيةً للأحزاب السياسية السلطوية التي تستغل حاجات الناس ومخاوفهم لبسط سيطرتها أكثر فأكثر. هذه الزبائنية السياسية تجلت أخيراً في بطاقة “سجاد” التي يوزعها حزب الله، وفي سعي الأحزاب لتأمين لقاح كورونا مجاناً. وتحاول الأحزاب من خلالها إعادة السيطرة ولو جزئياً على القاعدة الجماهيرية الواسعة وضبط إيقاعها بعد الإرباك الذي خلّفه حراك 17 تشرين الأول 2019.

اللافت أن توزيع هذه الخدمات الزبائنية لا يقتصر على المناصرين كما جرت العادة، بل تعدّاها ليشمل فئة أوسع، كانت في السابق غير مبالية بتلقي خدماتٍ أو مساعداتٍ من أحد كونها ليست بحاجة، أما اليوم فقد أحكم النظام قبضته عليها.

“سجاد” للقضاء على الجوع الشيعي

كعادته، مع كل خطاب منذ اندلاع 17 تشرين، يحاول الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بأسلوبه الخاص امتصاص غضب الشارع الشيعي بشكلٍ خاص، فيحرص دائماً على محاكاة هواجسه ويعمل على تبديدها. وهذا ما فعله في خطابه ما قبل الأخير، عندما أفصح عن إعداد حزب الله خطة تقي القاعدة الشيعية بشكلٍ عام الجوع والعوز. حينها، لم يتوقع أحد أن يفرش حزب الله “السجاد الغذائي” أمام جمهوره ومؤيديه، وحتى آخرين من العائلات المحتاجة.

و”سجاد” هي بطاقة تخول حاملها شراء مواد غذائية بأسعار مخفضة يُقال إن سعرها وفق صرف الدولار الرسمي بقيمة 1500 ليرة لبنانية. ويقوم حزب الله حالياً بتوزيعها على العائلات “الاكثر فقراً” في المناطق الشيعية، وحتى المناطق المختلطة مذهبياً، عبر مكاتب خصصت لاستقبال طلبات العائلات، ويتم تعبئة المعلومات بطريقةٍ شفهيةٍ تتضمن الوضع الإقتصادي والاجتماعي للعائلة. وبعد سلسلة أسئلة تنتظر العائلة الحصول على البطاقة، التي يشعر حاملها كمن “نام واستفاق على كنز”. ففي ظل الظروف الإقتصادية الصعبة، وفي ظل الغلاء الفاحش للسلع، شكلت هذه البطاقة متنفساً إقتصادياً للعائلات وصمام أمان، أقله لناحية تأمين المأكل والمشرب.

بغصةٍ وخجلٍ تقول زاهية (60 عاماً) إنها حصلت على بطاقة “سجاد”. زاهية المناهضة لسياسة حزب الله تعتبر أن الظروف الإقتصادية الصعبة، التي لن تُحل قريباً بحسب قولها، دفعتها إلى أخذ البطاقة والاستفادة من الأسعار المخفضة. ولكن هذا لا يعني أن تمنح الحزب صوتها في الانتحابات النيابية المقبلة، على حد قولها. وكان حزب الله قد افتتح مجمعاتٍ غذائيةٍ كبيرةٍ لا يستقبل فيها سوى حملة بطاقة “سجاد”. وتذهب زاهية كل أسبوع تقريباً إلى المجمع الغذائي في بيروت، حيث معظم البضائع إيرانية الصنع، وتخولها البطاقة شراء ما يلزم من سلع بأسعارٍ “طبيعية مثل قديم” وبموجب رقم سري عليها حفظه لإتمام عملية الشراء. من هنا، تقوم العائلات بإعارة هذه البطاقة ومشاركتها مع الأقارب والمعارف الذين لم يحصلوا عليها بعد.

تقول نادية (40 عاماً)، التي لم تحصل بعد على البطاقة لكنها تقدمت بطلب الحصول عليها، إنها استعارت بطاقة جارتها وقامت بشراء منتجات عدة، فلا سقف مالياً محدداً للبطاقة، إنما تأتي عملية ضبط شراء المنتجات من خلال تحديد كمية الحصول على بعض المنتجات شهرياً، فلا يحق لحامل البطاقة شراء أكثر من خمسة ليترات زيت في الشهر الواحد. كذلك الأمر بالنسبة إلى السكر وبعض المنتجات الغذائية التي يحتمل استغلالها لأهدافٍ تجاريةٍ. وتقول نادية إن معظم عائلات قريتها الجنوبية تقدموا بطلباتٍ للحصول على البطاقة و”إلاّ بموتوا من الجوع”.

استثناء

يفيد جميع من قابلناهم أنهم لم يبرزوا خلال تقديمهم الطلبات أي مستندٍ رسمي يدل على هويتهم، بل اكتفوا بالإدلاء بالمعلومات شفهياً، إلأّ أن مسؤول الحزب التابع لقرية المواطن ر.غ. (60 عاماً) المعروف بمعاداته ومناهضته لسياسة الحزب، عرض عليه الحصول على “سجاد” طالباً تزويده بصورةٍ عن هويته. ما أثار استغراب معظم أهالي القرية الذين لم يطلب منهم أحد أي صورة أو مستند. وبحسب ر.غ.، فقد بدا واضحاً أن المسؤول يحاول استغلال حاجة المناوئين لحزب الله عبر سعيه إلى الاحتفاظ بدليلٍ يؤكد استفادة هؤلاء من خدمات حزب الله (بطاقة “سجاد”) وإبرازه عند اللزوم. رفض ر.غ. البطاقة متذرعاً بعدم حاجته لها. ويقول إنه لن يساوم على مبادئه، على الرغم من الضائقة المالية والخوف من المجهول الذي يمر به كغيره من المواطنين، ولا مجال للتراجع لأن مبتغى الأحزاب هو إخضاع الناس وإذلالها بلقمة عيشها، “ما رح نموت من الجوع، بس تفه على دولتنا الفاشلة”.

لم يطوّع حزب الله المواطن ر.غ. الذي يرفض أن يحل حزبٌ مكان الدولة، والذي ربما وحده من سيدفع ثمن خيارته، عندما يشاهد أبناء قريته مطمئني البال، فيما هو أسير القلق والخوف من كيفية الاستمرار في تأمين لقمة عيشه.

الموت واحد

وكما حزب الله كذلك أحزاب السلطة التي وجدت في خوف اللبنانيين على حياتهم من وباء كورونا فرصةً لاستثمارها عبر استقدام اللقحات وتوزيعها مجاناً. إلاّ أنه واستناداً إلى نظرية “التبادل” كيف يمكن لمواطنٍ جائع وخائف أن يرد المساعدة أو “الهبة” الممنوحة إليه من الأحزاب والزعماء؟ وماذا يملك هذا الفقير أصلاً ما يمنحه إياهم  سوى “صوته”، والصوت الذي لم يصدح ضدهم عالياً في الشوارع من الصعب أن يصدح غداً ضدهم في صناديق الاقتراع.

Leave a Reply

Your email address will not be published.