العراق والقضية الفلسطينية: قبل صواريخ صدام حسين على تل أبيب وبعدها

في 18 كانون الثاني/يناير 1991، استيقظ الإسرائيليون في الثانية بعد منتصف الليل على صوت سقوط ثمانية صواريخ سكود تم إطلاقها من غرب العراق وسقطت في ضواحي حيفا وفي شمال وجنوب تل أبيب. كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين هو من أمر بإطلاق هذه الصواريخ رداً على “عاصفة الصحراء”. حينذاك عاش الاسرائيليون رعب ان تحمل هذه الصواريخ رؤوساً كيميائية، ولبسوا اقنعة الغاز لتدارك هذه الاحتمالية المرعبة. كانت تلك من المرات النادرة التي يسمع فيها العرب اخباراً عن استهداف عاصمة الاسرائيليين. وارتبط قصف تل ابيب لفترة طويلة بصدام حسين، حتى بات البعثيون من اتباعه يتفاخرون بهذه المأثرة. وربما تكون هذه الحادثة مفصلية في قراءة العلاقة بين العراق وفلسطين، وهي علاقة تمتد منذ ما قبل هذه الضربة الصاروخية بثلاثة عقود ويزيد، إلى ما بعدها بثلاثة عقود ويزيد. 

حمل شرائح عراقية عدة منذ ما قبل العام 1948 الهم الفلسطيني، واشترك عناصر من الجيش العراقي في حرب تحرير فلسطين إلى جانب الجيوش العربية بعد الإعلان عن تأسيس الدولة اليهودية. 

مهند عبد العزيز أستاذ في تاريخ الوطن العربي يقول إن الجيش العراقي تمكّن من السيطرة على العديد من الأماكن المهمة والإستراتيجية حتى أصبحت تل أبيب تحت مرماه الا ان القيادات العسكرية العليا الموحدة في ذلك الوقت طلبت إيقاف الهجمات عند حد معين.

و لم يكتف العراق في ذلك الوقت بإرسال قوة عسكرية، بل فتح باب التطوع لعامة الشعب وتقدم العشرات من العراقيين والتحقوا بقيادة ما يسمى “جيش الجهاد المقدس”، وهي قوة عسكرية تضم متطوعين عرب من ضمنهم العراقيين وسقط خلال تلك الحرب العشرات منهم قتلى حتى احتضنت أرض محافظة جنين مقبرة سميت مقبرة شهداء الجيش العراقي وتضم نصباً تذكارياً تخليدا لتلك المشاركة.

كما لم تغب فلسطين عن رجالات الدين في العراق. فالمرجعية الدينية في النجف أصدرت العديد من فتاوى الجهاد ضد إسرائيل، وكانت المرجعية آنذاك محط اهتمام القيادات الفلسطينية والتقت بوفدٍ من جمعية الدفاع عن فلسطين وحصل الوفد خلال اللقاء على دعم العلماء اذ اعلن المرجع الديني محمد الحسين كاشف الغطاء وجوب الجهاد لنصرة فلسطين خلال فترة التحرك اليهودي لأجل تأسيس دولتهم، وسميت هذه الفتوى بالجهاد المقدس، وفي عام 1973 احتضنت النجف اجتماعا داخل الصحن العلوي، وهو جزء من المرقد الخاص بالإمام علي، وحضر هذا الاجتماع كبار العلماء آنذاك بمشاركة من قيادات فلسطينية لمناقشة ملفهم والخروج بنتائج داعمة واستمر التأييد للقضية الفلسطينية على امتداد تاريخ الحوزة العلمية.

موقف النظام العراقي خلال حكم صدام حسين بحسب عبد العزيز، كان داعماً للقضية الفلسطينية، بمعزل عن أهداف النظام من هذا الدعم، وخلال حرب الخليج الثانية أقدم صدام على قصف إسرائيل بـ 39 صاروخا من نوع سكود محددة الأهداف في تل ابيب وحيفا وصفد محاولاً تقديم سردية أن مشاكل العرب الأساسية ترتبط بوجود إسرائيل في المنطقة، محاولاً حرف التركيز عن غزوه للكويت وارتكابات عديدة أخرى قام بها. 

بعد سقوط نظام صدام حسين بقي الموقف من القضية الفلسطينية حاضراً في الشارع العراقي، وحتى مع التموضع المذهبي الجديد في العراق بعد سيطرة أحزاب شيعية على مفاصل الحكم، الا ان التفاعل مع القضية الفلسطينية بقي محط اهتمام العراقيين، سيما وان التيارات الشيعية العراقية ذات الولاء الإيراني تلبي دعوة مؤسس الجمهورية الإيرانية روح الله الخميني ان يكون آخر جمعة من شهر رمضان يوماً عالمياً  للقدس، فتزدحم شوارع المدن العراقية الجنوبية والوسطى بالمسيرات وأعلام فلسطين وصور القيادات الايرانية الدينية والعسكرية مع دعوات لازالة اسرائيل من الوجود وتحرير فلسطين. 

في العراق، لم تنج القضية الفلسطينية من الاستثمار السياسي، كلّ بحسب آهوائه السياسية وأهداف مشروعه الاقليمي. لكنها بقيت مصدر تعاطف كبير لدى العراقيين الافراد، على اختلاف انتماءاتهم. وهي تعتبر قضية ثورة وحرية بالنسبة إلى آلاف العراقيين الذين ثاروا ضد جميع انواع الظلم والفساد والاحتلال والوصاية. ولهذا بدأ بعض ناشطي حراك تشرين بجمع التبرعات وفتح باب التطوع والبحث عن جميع السبل التي تؤدي إلى دعم الفلسطينيين في وجه آلة القتل الاسرائيلية. 

ضرغام ماجد واحد من ابرز متظاهري محافظة بابل وسط العراق شرع بحملة تبرعات واسعة من المواد الغذائية وقناني المياه لنقلها باتجاه الحدود الاردنية عبر حافلات لدعم الفلسطينيين في الأردن الذين يحاولون مساندة اخوانهم بالتظاهرات عند الحدود. وبالفعل انطلقت نحو الحدود الاردنية في وقت متأخر من ليل الأربعاء من محافظة بابل باصات تضم عراقيين وتحمل مساعدات، بتنظيم من لجان تنسيق متظاهري حراك تشرين من محافظات عراقية عدة، تجمع على اثرها عدد كبير من الثوار في بابل للصعود في الحافلات المتوجهة إلى الأردن لمساندة الفلسطينيين، ويتأمل البعض ان يقدروا على اجتياز الحدود الاردنية الفلسطينية، لكن يبقى ذلك رهن بقوات الأمن الأردنية. 

امين عام حركة امتداد علاء الركابي ابرز الاحزاب التشرينية التي تشكلت من ساحة تظاهر الناصرية يستعجل المجتمع الدولي لوقف نزيف الدم، ويقول إن قدرة الغزاويين على كسر القبة الحديدية يمكن ان تغيير موازين القوى لصالح الفلسطينيين. أما في ساحة الحبوبي في الناصرية، فقد أعدّ احسان الهلالي، احد متظاهري الساحة، العدّة للقتال إلى جانب الفلسطينيين، داعياً الراغبين بالتطوع إلى الالتحاق به لأن “تشرين افعال وليس أقوال” على حد قوله.

الباحث صلاح الموسوي يجد ان هذه المبادرات معنوية ويصعب تحولها إلى أمر واقع. لان الدخول إلى فلسطين ليس سهلاً ويحتاج إلى موافقات رسمية، ويمر بحدود ممسوكة من دول، ولا يمكن مقارنة ما يحدث اليوم بما حدث في العام 1948. لكنها تشكل رافعة معنوية قادرة على بث الحماسة في الجماهير العراقية والعربية التي تقف اليوم على الرغم من خلافاتها السياسية، موحدة نصرة للقضية الفلسطينية. فالحكومة العراقية، والأحزاب والحوزة الدينية والميليشيات وثوار تشرين، جميعهم اعلنوا عن مواقف داعمة للفلسطينيين ومستنكرة للهمجية الاسرائيلية، لكن كل على طريقته. ففي حين أكَّد الرئيس برهم صالح موقف العراق الثابت تجاه القضية الفلسطينية، مشددًا على ضرورة العمل الفاعل لإنهاء الاعتداءات “الإسرائيلية” على الشعب الفلسطيني، اعلن المرجع الشيعي علي السيستاني مساندته للشعب الفلسطيني، داعياً الشعوب العربية إلى التحرك لنصرة القضية. أما زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فقد وجه نداءاً إلى الزعماء العرب لإلغاء اتفاقيات التطبيع مع اسرائيل وطرد سفرائها من بلدانهم ومقاطعتها اقتصادياً، ودعا إلى تظاهرة حاشدة لاتباعه نصرة لفلسطين، معلناً عن جهوزية ميليشيا سرايا السلام للدفاع عن القدس والمسجد الأقصى. ومثله فعل القيادي في ميليشا كتائب الامام علي المدعو “أبو عزرائيل” الذي اعلن وبشكل صريح عن فتح أبواب التطوع للقتال في فلسطين، كاشفاً عن ارسال مجموعة من المقاتلين إلى فلسطين من دون ذكر تفاصيل أكثر. 

الباحث وائل الركابي يرى ان الملف الفلسطيني يأتي في صلب عقائد المجموعات الاسلامية، السنية والشيعية، من تنظيم القاعدة إلى الميليشيات العراقية التابعة لإيران، وهو لا يشك ابداً في جدية طروحات الميليشيات بالمشاركة في الدفاع عن فلسطين عسكرياً إذا ما استدعى الأمر ذلك. 

ورغم ما تمتلكه القضية الفلسطينية من حيز كبير في التاريخ العراقي الا ان العديد من مواطنيه في ظل الظروف الحالية يرون ان الاهتمام بالداخل العراقي وحلحلة مشاكله أولى من التركيز على المشاكل الخارجية. 

إقرأوا أيضاً:

[embedded content]

Leave a Reply

Your email address will not be published.