غزة: بدأت هموم إعادة الإعمار

صباح السبت (21 أيار/ مايو) عدنا إلى العمل في مكتبنا. لم يصب المكتب بأضرار، زميلي وصديقي حازم لا يزال قلقاً وخائفاً، ذاك أن صواريخ طائرات سقطت بكثافة في محيط منزله، واضطر إلى النزول من شقته في الطبقة السادسة إلى شقة والدته وشقيقه في الثانية، حيث اجتمع أفراد العائلة وأشقاؤه الثلاثة. لا يزال حازم يخشى من الصاروخ الذي سقط في منطقة فارغة بجوار منزل العائلة ولم ينفجر.
انتهت المعركة واحتفل الفلسطينيون بالانتصار على الذات قبل الانتصار في صد العدوان وتحقيق إنجازات اعتبروها مهمة، أولها الوحدة الوطنية وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة. وثانيها القدرة على إيلام إسرائيل، على رغم الماكينة الإعلامية القائمة على التحريض على القتل والدمار والتضليل.
أعلنت بلدية غزة ومجموعات شبابية مبادرة بعنوان “حنعمرها”. بدأت صباح اليوم التالي من أمام برج الشروق في حي الرمال وانطلق الناس أطفالاً ونساءً وشباباً في حملة لتنظيف الشوارع من الحجارة وآثار العدوان.
بمجرد انتهاء إعلان الهدنة بدأ الفلسطينيون أهل غزة بتحسس أحوالهم، والسؤال في أذهانهم، ماذا بعد؟ من سيعوض للناس ويبني البيوت المدمرة، والبنية التحتية وآليات إعادة الإعمار، وغياب العدالة، واستمرار الحصار والانقسام؟
ذكرت إحصاءات الأمم المتحدة أن 107 آلاف مواطن نزحوا قسراً من منازلهم خلال العدوان الاسرائيلي على القطاع، 71 ألفاً لجأوا إلى مدارس “الأونروا”، والآخرون نزحوا إلى منازل أقاربهم أو أصدقائهم.
في اليوم الثاني لإعلان التهدئة زرت أقاربي وبنات عمي وخالتي في غزة وشمالها، للتهنئة بحلول عيد الفطر الذي لم نحتفل به بسبب العدوان، وكذلك للتعزية بإحدى قريباتي التي رحلت في هذه الحرب، وكذلك أحد أبناء قريتي بربر الذي سقط فيما تعرّض شقيقه لإصابات خطيرة.

في شمال غزة أخبرتني أم عبد الله، وهي مديرة مدرسة في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، تتكون عائلتها من 6 أفراد، أن اضراراً جسيمة أصابت منزلها اثناء الهجوم على شمال قطاع غزة، وقد لجأت إلى منزل والدها في مخيم جباليا في اليوم الثالث للعدوان والذي تجمع فيه نحو 30 شخصاً، إضافة إلى سكان المنزل. وتزامن ذلك مع تحذير سلطات الاحتلال أصحاب المنزل المجاور لمنزل والدها (يبعد مترين) بأنها سوف تدمر المنزل، فاضطرت إلى إخلاء المنزل مجدداً مع أشقائها واطفالها، وبعد نحو نصف ساعة قصفت طائرة حربية بالصواريخ المنزل وتم تدميره في أقل من دقيقة.
نور صديقة ابنتي يافا قتل شقيقها الثالث خلال الغارات الأخيرة. الأول سقط في انتفاضة الاقصى، والثاني قضى في عدوان 2009. لم أتمكن من الذهاب مع يافا لتعزية نور صاحبة الوجه الصامت الحزين دائماً، فقد استوطن الحزن وجهها مذ تعاقب الموت على العائلة.
الدكتور سائد أستاذ جامعي قصف المنزل المجاور لمنزله، لا يخفي خوفه وقلقه. علامات صدمة بارزة على ملامحه، ويكثر من الحديث عن  الآثار النفسية للعدوان وما خلقه من ندوب له ولعائلته وعموم أهل القطاع.
في هذه الأثناء، بدأت الأمم المتحدة إعلان إحصاءاتها عن المنازل التي تم تدميرها، كما أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أن 2075 وحدة سكنية تضررت بالكامل و15 ألف وحدة أخرى أصيبت بأضرار جزئية جراء العدوان.
صديقتي اليهودية التي غادرت إسرائيل إلى أوروبا منذ سنوات ولحقت بابنتها، والتي تتصل يومياً للاطمئنان، وتعبر عن تضامنها وإدانتها واستنكارها للهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، وتعتبرها جرائم حرب، لا تخفي غبطتها بالرد على قصف غزة بقصف تل أبيب.
الأقارب والأصدقاء الذين زرتهم بعد وقف النار، يتحدثون عن سبب استهداف حي الرمال وتشويه معالمه بتدمير برج الشروق والجلاء والجوهرة، هذه الأبراج وغيرها مزروعة كأشجار الزيتون في الحي الراقي والاقتصادي والذي تعمدت سلطات الاحتلال تدميره. تركز النقاش على تحذير ضباط المخابرات الإسرائيلية الناس بالاتصال هاتفياً بهم قبل تدمير منازلهم، وإيهامهم بأنهم يعرفون كل تفاصيل حياتهم وجيرانهم.

وبرز حرص على إثبات قدرة المخابرات الإسرائيلية على معرفة تفاصيل الناس وأماكن سكنهم وجيرانهم، وعدد أفراد الأسرة في المنزل والأسماء والأعمار ومن تزوج ومن لم يتزوج ومن قضى. لكن أهل غزة يعرفون أن السجل السكاني الفلسطيني مرتبط بدولة الاحتلال. البطاقات الشخصية وشهادة الميلاد والوفاة، كلها موجودة في السجلات الإسرائيلية وبضغطة زر على الكمبيوتر تظهر هذه التفاصيل مجتمعة. هذا ما نص عليه اتفاق أوسلو، والسلطة الوطنية لم تعمل على إلغاء هذا الربط الذي يعطي إسرائيل الحق بمعرفة التفاصيل الشخصية للفلسطينيين.
وبالطبع إسرائيل تمتلك قدرات تكنولوجية عالية للتجسس واختراق الهواتف النقالة، وطائرات الاستطلاع لا تفارق سماء غزة وترصد كل حركة، وهي تعمل على تجنيد عملاء على الأرض للمساعدة في الإرشاد إلى المنازل، لكن هذا العدوان وما سبقه، كشف ان إسرائيل لم تنجح في معرفة تفاصيل كثيرة وأخطأت في قصف منازل ادعت أنها “لمطلوبين”.
صباح الأحد جاءت الصديقة نور لزيارتي والاطمئنان، وتذكرنا رعبها وخوفها على زوجها عندما قصفت البناية المجاورة للمكتب الصحافي الذي كان فيه، وهو يرأس تحرير موقع إلكتروني إخباري. وبعد نحو ساعة من توقف القصف، استطاع الخروج بمساعدة الصليب الأحمر، وتضيف أنه على رغم انتهاء العدوان فإن ابنتها علياء (13 سنة)، ترفض العودة إلى النوم في غرفتها وتفضل النوم في الصالة، علماً أن جميع سكان قطاع غزة ينامون بالقرب من أبواب شققهم.
خلال الأيام المقبلة، سيفتح نقاش حول إعادة الإعمار والجهة المسؤولة عنه ومن سيشرف عليه ويراقب آليات الإعمار، وقضايا عالقة وفي مقدمتها ملف الضحايا وعدم تحمل السلطة الوطنية المسؤولية ورفضها تسجيل نحو 1400 شخص سقطوا في عدوان 2014، في “مؤسسة الشهداء والجرحى” التابعة لمنظمة التحرير. تقول السلطة “خلي حماس تدفع لهم”.

إقرأوا أيضاً:

[embedded content]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *