لماذا اختارت إسرائيل سعد حداد… ولماذا أرسلت الفأر الأبيض؟

منذ البداية، لم يكن الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوب لبنان (من آذار 1978 حتى أيار 2000)، وجوداً عسكرياً فحسب.

وقد كان لاستخبارات العدو دور رئيس، لم يقتصر على “حماية” الوجود العسكري الاحتلالي، بل تعدّاه إلى مهمّات أخرى في صميم المجتمع والاقتصاد والثقافة.

فتلك المنطقة بالنسبة إلى العدو “مختبر حي” لتجربة سيطرته وإعادة صوغها وفق مصالحه واستراتيجيّته، لا لتكون حارساً لحدود كيانه فحسب، إنّما خادماً لدولته واستخباراتها واقتصادها وما إلى ذلك، وتحت لافتة “إنسانية” وسياسية عنوانها “السلام والتطبيع”.

فـ”تجربة” “الشريط اللبناني المحتل” نموذج لما يريده العدو للبنان.

والنتائج السلبية لهذه “التجربة” التي واجهها اللبنانيّون منذ البداية بالمقاومة، كثيرة وعميقة. فقد احتُلّت أرضٌ وعُزِلت وحُرِقت، وأُسِر مجتمعٌ وقُسِّم وقُتل وهُجّر.

هنا، قصص قصيرة مما فعله الاحتلال في السياسة والمجتمع والاقتصاد والأمن. وهي مستقاة من الكتاب المرجعي “الشريط اللبناني المحتل: مسالك الاحتلال، مسارات المواجهة، مصائر الأهالي” للباحث منذر محمود جابر (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1999):

إعلان “دولة لبنان الحر” ولماذا سعد حداد؟

كان سعد حداد في المرحلة الأولى من حرب الجنوب، حرب القطاعات، في ثكنة الطرابلسي (في بدارو)، وكان اطلاعه على أوضاع الجنوب يتم من خلال علاقته ببعض المسلحين من أبناء القطاع الشرقي، حيث كان أحد هؤلاء قد فاتح حداد، قبل معركة مرجعيون في 18- 20 تشرين لأول/ أكتوبر، بالمجيء إلى المنطقة الحدودية. لكن المعركة جرت في غياب سعد حداد، وأنزل حسابها في رصيد بعض المسلحين، وتحديداً من أبناء القليعة نفسها من الذين خاضوا غمار هذه الحرب باكراً.

قبل معركة مرجعيون، والرواية لبيت همزراحي، كان حداد قد وافق على تولي أمور القوات في الجنوب، واستمهل فقط لتدبير أمور عائلته المقيمة في مرجعيون خوفاً من انتقام “القوات المشتركة” فيها. المهم أن حداد بعد المعركة شعر بضرورة المشاركة، وقد سأل غيره من الضباط السير معه فلم يوفق بقبول أحد ولاعتبارات مختلفة.

غادر حداد الأكوامارينا في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر، في قارب يحمل على متنه 30 آخرين من المدنيين. انتقل حداد مباشرة من حيفا إلى متولاه حيث كانت قيادة الجيش الإسرائيلي قد استأجرت بيتاً قديماً في أحد شوارعها، جاعلة منه مقرّاً لقيادة “الجيش الجنوبي”، بتجهيزاته كلها: من الكولونيل فؤاد، المشرف العام على “جيش لبنان الجنوبي”، حسب تعبير همزراحي، إلى ضباط إسرائيليين يتحدثون العربية، إلى أجهزة الاتصال التي تصله بالقليعة وبالقيادة الإسرائيلية إلى الطرق المقطوعة التي تمنع على أي مدني إسرائيلي أن يمر بقربها، إلى الاسم الجاهز الـAppartement.

من متولاه انتقل حداد إلى القليعة، التي غادرها مباشرة إلى بيروت، عدا الأخوين حمصي، العسكريون الذين رأوا أن إسرائيل قد تبنّت لهذا المنصب حداد في الوقت الذي كانوا موعودين بأن يكونوا هم شاغليه.

وصل حداد إلى القليعة إذاً في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر. والسؤال الآن لماذا سعد حداد تحديداً؟

يكمن الجانب الأول من الإجابة عن هذا السؤال في شخصية حداد نفسه. فهو يبدو في رؤية نورتون “رجلاً فظّاً متبجّحاً، كثيراً ما تنتابه نوبات عاطفية تتراوح بين الغضب الشديد وذرف الدموع… وهذا الأسلوب يخدم الأغراض الإسرائيلية، إذ كان بإمكان المسؤولين الإسرائيليين الادعاء وبصدقية أنهم لا يستطيعون السيطرة دوماً وبسهولة على حليفهم.

ولا تخرج همزراحي في تقييمها لحداد عن هذا الإطار: “لم يكن حداد أبداً قائداً عسكرياً بارزاً تعتبر شجاعته الشخصية قدوة لرجاله. لقد ارتكب أخطاء على المستوى التكتيكي، وكان عاجزاً عن تنظيم رجاله وتحريكهم، وحتى السيطرة عليهم أحياناً، من دون مساعدة الضباط الإسرائيليين… وعلى الرغم من أن جيش الدفاع الإسرائيلي لم يرَ في حداد قائداً عسكرياً بارزاً، فإنه خلق له لدى الإسرائيليين صورة المقاتل الذي يتكلم لغتهم السياسية ويقاتل معاركهم. وكانت الصحافة هي السبب الأول في هذه الظاهرة، وكانت مثابرتها واستمرار اهتمامها بحداد قد علّما الرجل دروساً قيمة وهو في طريقه إلى أن يصبح شخصية إعلامية إيجابية. والإعلام هو الذي ارتقى به من دور السياسي المغمور في ساحة البلدة إلى مركز الشهرة الإعلامية الدولية (والإسرائيلية خصوصاً). واستمر جيش الدفاع الإسرائيلي، الذي يعرف الخبايا أكثر من غيره، في دعم تطور ونمو هذه الصورة لأن حداد ضعيفاً ومغموراً كان يسيء إلى مصلح هذا الجيش وجهوده أكثر مما يفيدها”.

الجانب الثاني من الإجابة عن هذا التساؤل الآنف يكمن في النظرة السياسية الإسرائيلية لأي تماسك أهلي، وطنيّاً كان أو مناطقيّاً أو مذهبيّاً في المنطقة الحدودية. لقد رسا التوازن الأهلي، بعد انفتاح المحاور الجنوبية الحدودية على التقاتل العسكري، على غلبة مارونية واضحة. وهذا ما يشكل في المعيار السياسي الإسرائيلي شُبهة يتوجّب الاحتراز منها، فقد تبادر هذه الكتلة الغالبة، مع أي تغيير في مجرى الريح السياسية في الأزمة اللبنانية، إلى مواقف سياسية مغايرة للمواقف الراهنة، خصوصاً وأن الحذر الإسرائيلي من المواقف المسيحية، لم يغب مرّة عن الاعتبارات السياسية الإسرائيلية، التي ظلت ترى في المواقف المسيحية، الجنوبية مواقف طارئة… وبأن الشيطان الذي تتحالف معه كان بالصدفة إسرائيل. وبالفعل، وقبل أن يحول الحول على حرب الجنوب، أخذت الأصوات ترتفع في القرى المسيحية بضرورة الخروج من دوامة تلك الحرب، “ففي أوائل تموز/ يوليو 1977، قابل وفد من جبهة المحافظة على الجنوب كميل شمعون للبحث في صيغة لإنهاء حرب الجنوب. وقد أشار شمعون في سياق تأكيده، أنه غير راغب في استمرار هذه الحرب، إلا أن وفوداً من القليعة طلبت منه تكراراً إخراج القرية من الحال التي وصلت إليها، والعمل على عقد مصالحة بينها وبين الجوار”.

كان لا بد لإسرائيل إذاً، من اللجوء إلى سياسة خلق المحاور المتقابلة والمتربّصة بعضها ببعض، وليس أقرب إلى ذلك، من الانطلاق من الحسابات الاجتماعية والمذهبية والبلدية، التي كانت على كمونها في القرى المسيحية الحدودية مع أجواء ومقدمات حرب الجنوب.

المنشأ الاجتماعي لحداد، كان جرعة الخلاف الأولى. وتقول سيرة حداد إن أباه كان مكارياً، وكانت أمه تخبز وتبيع الخبز، وتزرع وتبيع الخضار. من الصعب إذاً تسويق قيادة بهذا المنشأ في مجتمع ماروني التزم مطولاً بوجاهة آل فرنسيس وغناهم وامتداد ملكياتهم بعيداً في مروج المنطقة ومزارعها. والتزم طويلاً باعتبارات النسب والغنى والثقافة التي كانت تنسحب على أصول كثيرة من العائلات المسيحية من مارونية وغير مارونية في منطقة مرجعيون.

جرعة الخلاف الثانية كانت جرعة مذهبية. حداد الكاثوليكي في مركز القيادة رَفعٌ للتحدي في وجه الطرف الماروني في الشريط الحدودي، إذ يسحب منه حتى صفة الغالبية العددية الكاسحة، التي يشكلها مسيحيوه، بخاصة بعد تهجير الأرثوذكس من مرجعيون. وينزع منه، وهذا هو الأهم، امتياز الريادة وقطف الثمار والأثمان التي راودته يوم بادر إلى بوابات “الجدار” في متولاه أولاً ولاحقاً في دوفيف ومن بعدها في حانيتا. ويرفع هذا التعيين التحدي كذلك، وفي مدى أبعد، في وجه “الجبهة اللبنانية” من خلال بؤرة مسيحية جنوبية، لا تميل إلى مشاكلة توجهاتها وخطواتها السياسية والعسكرية” (الصفحة 209).

***

كانت إسرائيل تستند في مواجهة المطالب الدولية بانسحابها الكامل من لبنان، إلى انقسام لبنان الرسمي وتردده وعجزه عن تصنيف حالة حداد. كانت إسرائيل ترى فيه ضابطاً لبنانيّاً ليس في إضبارته ما ينزع عنه ذلك، وكانت ترى من ناحية ثانية أن المنطقة الحدودية التي كانت تحت إشرافه لم تكن أساساً محتلة ولا ينطبق عليها القرار 425 (234).

***

المساحة الإجمالية للشريط المحتل في صيغته الأولى (1978- 1982)، كانت في حدود الـ700 كلم2. على مدى طولي 80- 85 كلم، وعرض يتراوح بين 4 و12 كلم. وكان تحديد المنطقة الجغرافي مدعاة تحديد أمني، فقد باشر حداد بإقامة معسكرات للتجنيد في الجيب الحدودي، في الأسبوع الأول من وقف إطلاق النار، ومدعاة تحديد إقامة وتحديد هوى المقيمين عن طريق تحديد هوياتهم (باشرت إسرائيل بدءاً من الشهر الثامن من سنة 1978 “بطاقة هوية مؤقتة”). وكان أخيراً مدعاة تحديد سياسي يصلب التدخل الإسرائيلي في الأزمة اللبنانية فكان إعلان “دولة لبنان الحر” في مؤتمر صحافي عقده حداد في متولاه في 18 نيسان/ أبريل 1979، وفيه أعلن في الساعة الخامسة والثلث، أن حدود دولته هي حدود لبنان وأن العاصمة تبقى بيروت.

لم تتعد ردة الفعل، تجاه خطوة حداد على الصعيد الرسمي، حدود الإجراءات القانونية: قرار تأديبي بتسريح حداد من الجيش في اليوم الذي أعلن فيه “دولته”، وهو قرار تحتم من كون حداد لم يترك ستراً يغطي “معاصيه”، بعدما أعلن دولة رسمية، ومن مستعمرة متولاه الإسرائيلية (237).

***

انتهى انسحاب 10 حزيران/ يونيو 1985 إلى احتفاظ إسرائيل بشريط محتل يزنر الجنوب بدءاً من البحر عند رأس الناقورة إلى كامل الحدود اللبنانية الفلسطينية بطول 79 كلم… مساحة الشريط المحتل نحو 1200 كلم2، أي ما يناسب 12 في المئة من مساحة الجمهورية اللبنانية، أو ما يزيد عن نصف مساحة الجنوب اللبناني بمحافظتيه وهي نحو 2011 كلم2.

إغراءات ووعود

كان شراء التبغ من قِبل إسرائيل الخطوة الأولى في تكريس “الجدار”، و”إنجازاً مهمّاً وناجحاً على العموم” حسب رواية صحيفة “دافار”. ولكن إغراءات إسرائيل ووعودها تبخّرت بعدما أوقعت بمزارعي التبغ في شباك التبادل، وبعدما أوقعت بغيرهم في شباك العمل والتعامل، مع كل ما تستنهضه مثل هذه المواقف من عداوة مع الجوار. بعد ذلك راحت إغراءات تسليم التبغ تطوى من قِبل إسرائيل مع ارتفاع أكثر من مدماك من مداميك “الجدار” كالعمل والطبابة والزيارات والتدريب والتسلّح، حتّى توقف أمر شراء التبغ نهائيّاً بعد ثلاثة أشهر من مباشرته. وحجّة إسرائيل المعلنة في أن هناك صعوبة في دفع أسعار التبغ لأن الشركة الإسرائيلية تبيع التبغ من الخارج ولا تستوفي ثمنه إلا بعد فترة، ولا تستطيع معاودة الشراء بعدما بلغت ديونها 2,5 مليون ليرة إسرائيلية، أو 290 ألف دولار، وبعدما أصبحت مضطرة إلى شراء التبغ الإسرائيلي الذي يننتظر إفراغ المستودعات المملوءة بالتبغ اللبناني. وهي حجّة ساقطة، على الأقل، أمام ما كان قد سبق ووعد به، المدير العام لوزارة الزراعة دافيد بار- إيلان وفداً من أهالي رميش بعد اجتماع مخصص لدرس قضيّة التبغ مع وزير “الدفاع” شيمون بيرس، “بأن يتولى مجلس التبغ الإسرائيلي تسويق إنتاج المزارعين اللبنانيين في الخارج دون الحصول على سمسرة لقاء أتعابه (48).

تجييش طائفي

نشير في هذا السياق إلى توقّف عين إبل عن إقامة احتفال في 5 أيار، وعن اعتبار هذا اليوم وهو يوم الهجوم على عين إبل سنة 1920، عيد الشهداء، ويوم تعطّل فيه المدارس ومجمل المصالح في البلدة. وقد جاءت شرارة توقف العمل في ذلك التقليد مع وصول الدفعة الأولى من طلاب بنت جبيل، وكنّ جميعاً طالبات، للدراسة في مدرسة الراهبات في عين إبل في العام الدراسي 1959- 1960، نظراً لعدم وجود صفوف متوسّطة في مدارس البنات في بنت جبيل. بهتت طالبات بنت جبيل يوم أقفلت المدارس في عين إبل احتفاء بيوم “شهداء” وبعيد لهم، لم يسمعن به من قبل، فالشهادة عندهن طالبات مدارس، ختمت رسميّاً كما في البرامج الرسمية اللبنانية مع شهداء 6 أيار. كان الأمر مدعاة نقاش بين الطلاب في اليوم التالي بعدما تزوّدت الطالبات البنت جبيليات بالعدة اللازمة. وتذكر طالبات تلك الدفعة أن السنة التالية لم تعرف تعطيلاً للدروس وإنما اقتصر الأمر على التعطيل وقت القداس. وقد سمح في سنوات لاحقة للطلاب الشيعة في مدارس عين إبل بحضور قداس هذا اليوم. ويبدو أن الاحتفال بهذا اليوم قد توقف نهائيّاً منتصف الستينيات مع الازدياد اللافت لأعداد الطلاب الشيعة في مدارس عين إبل، ومع نشاط أوجه التلاقي السياسي والاجتماعي بين الطرفين، ومع دخول الأحزاب اليسارية إلى حلقات الشباب في عين إبل” (91).

تمثل رسالة الكفاءة غير المنشورة، التي أعدّها ابن عين إبل، الياس صادر، بعنوان “ثورة جبل عامل 1920” في كلية التربية في الجامعة اللبنانية سنة 1972، الرؤية الجديدة والمتفتحة التي صارت تحكم أفكار مجموعة واسعة من شباب بلدة عين إبل في نظرتهم إلى بلدتهم وموقعها من أحداث المنطقة في تلك المرحلة.

بعد إعلان حداد “دولة لبنان الحر، وما رافقها من تجييش طائفي، عاودت الاحتفالات ظهورها سنة 1979. وعادت بصيغة كرنفالية: أكاليل زهر، ومسيرات كشفية، وإنشاد نشيد البلدة الذي ألفه نعمة الله فرحات العبريني من وحي الواقعة سنة 1980 (91).

الفأر الأبيض

مع التدهور الذي أصاب زراعة التبغ في النصف الثاني من الثمانينيات، اتّجه المزارعون الحدوديّون صوب زراعة الحبوب أساساً إلى جانب بعض الخضار. لكن “الفأر الأبيض” الذي ظهر فجأة وللمرّة الأولى في تاريخ المنطقة، أتلف موسمين متتاليين في المروج القريبة من الحدود، من دون أن ينال من المزروعات الإسرائيلية المقابلة في المستعمرات. والمعروف أن الفأر الأبيض هو فأر مختبرات، وليس فأراً بريّاً. تم القضاء على هذه الظاهرة بمساعدة إسرائيلية، وإنّما بعدما كانت خطوات التجنيد الإسرائيلية وإغراءات رواتب “جيش لبنان الجنوبي”، وإغراءات العمالة في المؤسسات الإسرائيلية قد امتصّت الآلاف من الشباب الحدودي. وقد كان للقضاء على الزراعة آنذاك أثر كبير في ما تنقله “النهار” بتاريخ 23/9/1978 عن أجواء العمالة في سنة 1978 ما يدل على تهافت أكيد: “ويشعر المقيمون في المنطقة الحدودية ممن لا ينطبق عليهم تسهيلات العمل في إسرائيل، كأنّهم طيور ممقوتة لا تجد سرباً لها”.

ويؤكد حدوديون عديدون أن الفأر الأبيض، جاء من المختبرات الإسرائيلية إلى مروج الشريط تحديداً، بدليل عدم مساسه بالمزروعات المقابلة في المستعمرات، وبهدف إتلاف مصادر الرزق ودفع الناس إلى الجندية والعمالة، بدليل اختفائه بعد تمرير ذلك (380).

Leave a Reply

Your email address will not be published.