بعض ما تحتاج إليه قوى الاعتراض

حسان الزين

يدور منذ فترة حديث عن ضرورة توحيد حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض.

لا شك في ضرورة تطوير الأداء السياسي والتعاقد التنظيمي لتلك الحالات والقوى، ولكن من التبسيط الاعتقاد بأن اتفاقها يحل المشكلة، أو بأن عدم التوحيد ناتج من عدم اتفاقها فحسب، وكأن الأمر مجرّد نيات.

المسألة أعقد من ذلك.

فعلى الرغم من أهميّة النيّات المترجمة عمليّاً بالانفتاح والتنسيق وما إلى ذلك، هناك شروط أخرى لبدء ارتقاء حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض إلى معارضة. وهذه مرتبطة بالظروف السياسية وبالديمقراطية في لبنان.

ومن أبرز تلك الشروط، أي المستلزمات، شروع تلك الحالات والقوى في تقديم منتج ثقافي وسياسي، تضيء من خلاله لنفسها الطريق، وتتحاور عبره مع بعضها البعض، وتشارك فيه المواطنين والمواطنات.

يستوجب ذلك، إضافة إلى الديمقراطية وعدم اقتصار النشاط على الاجتماعات والتنسيقات العملية والتأثر بالاختلافات والمشكلات، مغادرة الكسل الثقافي والسياسي وبناء منابر لتقديم المحتوى الثقافي والسياسي. وفي مقدّمة تلك المنابر وسائل إعلام جديد تتوجّه إلى المواطنين كافّة وتكون عصريّة وتعبّر عن روح الشباب.

فمن دون ذلك لن تتمكّن تلك الحالات والقوى من تطوير أدائها السياسي والثقافي وخطابها ومشروعها وبرنامجها، وعلاقتها بالمواطن (ة)، مهما حسّنت من تنظيمها وعلاقاتها.

والأهم أنه من دون ذلك لن تُسهم تلك الحالات والقوى في إنتاج رأي عام، ولن تعبّر سياسيّاً عن رأي عام، وسيبقى اللبنانيّون تحت مطرقة الخطابات والممارسات المذهبية وسطوة الزعامات والقوى المذهبية السلطوية.

فقيام معارضة لن يكون باتفاق قوى على إطار تنظيمي وبيان سياسي فحسب، حتّى لو اجتمعت كل حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض، إنما يكون أولاً بالثقافة والرأي العام، وبالحوار الفاعل المفتوح الذي يُنتج محتوى ثقافي وسياسي معارض وجديد، في شأن الدولة والوطن والعالم والاقتصاد والمواطن والمواطنة والديمقراطية والحريّات… ولا يقتصر ذلك على البيان والخطاب والتحليل، إنما يتجاوز ذلك إلى الابتكارات الفنية والأدبية.

فإنتاج جبهة سياسية معارضة يجب أن يترافق مع إنتاج ثقافتها والتفاعل مع الرأي العام. ويترافق أيضاً مع طرح الحالات والقوى أفكارها وقراءاتها للواقع واقتراحاتها وبرامجها ومواقفها، فتفحصها وتطوّرها بالحوار وبتفاعل الرأي العام. وبناءً على المطروح والحوار تتظهّر القواسم المشتركة والاختلافات، فتقترب هذه الحالة من تلك القوى، أو تبتعد، ويتفاعل المواطن (ة) ويختار، وتطوّر القوى أداءها وخطابها وممارستها.

وعند ذاك تكون ولادة الجبهة طبيعيّة، أي مع نضج ثقافي وسياسي وتأسيساً على أرضية شعبيّة.

وهذا ما تفتقر إليه حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض، والمواطن(ة). فالواقع اليوم هو التعيّش على أزمة النظام والمنظومة والنهب والفساد وتكرار الشعارات والخطابات التي تحتاج، على أقل تقدير، إلى تحديث وتفاعل مع الواقع.

وهذا غير كافٍ لبناء أطر معارضة ورأي عام.

فالأزمة التي يمرّ بها لبنان أكبر من أن يُرد عليها ببيان وائتلاف أو وهم صوغ جبهة من مجموعة قوى وأشخاص. إنها تحتاج إلى ورشة ثقافية سياسية تجدّد القوى الموجودة وتنتج أخرى جديدة ورؤى ومشاريع وبرامج للبنان، الوطن والدولة والاقتصاد والمجتمع والمواطنة، وتتنافس في الحوار والديمقراطية وعلى مساحة الرأي العام.

Leave a Reply

Your email address will not be published.