تعديات الأملاك البحرية… بيع لبنان

حاتم حلاوي

تتوزع سيطرة مافيات السلطة على مقدرّات الدولة. من أهم هذه المقدرّات الأملاك البحرية على طول الشاطئ اللبناني (220 كلم)، ويُقدّر حجم التعديات بـ40 كلم طولاً ومساحة 5 ملايين متر مربع.

يضمن القانون (المرسوم 4810 عام 1966) حق وصول أي مواطن إلى أي نقطة على طول الشاطئ اللبناني ويمنع أي استعمال أو منفعة خاصة. يخرق هذا القانون العشرات من المنتجعات المنتشرة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، حيث تسيطر هذه المنتجعات على الشاطئ المقابل لها وتمنع المواطنين من الوصول إليه.

بالإضافة إلى المخالفة الواضحة للقانون، لا تدفع هذه المنتجعات أي بدل لاحتكار الشاطئ. يتحجج بعضها بأنه يدفع إيجاراً (زهيداً جداً) في حال كان منتجعه مبنياً على أراض تملكها الدولة، في حين أن هذا الإيجار لا يشمل الشاطئ المقابل (بعض عقود هذه الإيجارات مخالف للقانون).

وتقدّر القيمة السّوقّية لهذه الاستثمارات بـ400 مليون دولار (حسب الشركة “الدولية للمعلومات”)، وتحصّل الدولة على 4 ملايين فقط (على سعر 1515).

كانت الدولة قد أعطت مهلة حتّى أواخر 2019 للمعتدين لتسوية أوضاعهم، على أن تتم استعادة كل ما يبقى خارج القانون. تقدّم 386 معتدياً من أصل نحو 700 مخالف. ومدّد القاضي خوري المهل، وما لبث أن توقفت الملاحقات بحجج غير مقنعة، أسخفها وجود مخيمات عشوائية وصعوبة إزالتها، في ما بدا كأنه تواطؤ بين القضاء والرعاة السياسيين لهذه التعديات.

تتوزع سيطرة الأحزاب أو المحسوبين عليها على هذه الأملاك. فيسيطر المقربون من حركة أمل على الحصة الأكبر في الجنوب، والمقربون من المستقبل والاشتراكي (وغيرهما) بين صيدا وبيروت. أمّا في بيروت فتستأثر سوليدير بحصة التعديات الأكبر بمشاركة أحزاب ورجالات من المنظومة، كالمستقبل ومحمد الصفدي وغيرهما طبعاً. ويغطي التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والمردة، وشخصيات نافذة ورجال دين، كثيراً من المنتجعات في شمال بيروت.

ولا يقتصر الموضوع على المنتجعات أو عشوائيات، بل تشمل لائحة المتورطين في هذه التعديات سياسيين ووزراء ودبلوماسيين ونافذين، إذ وصل الأمر إلى تشييد مساجد وكنائس ومراكز حزبيّة. بالإضافة إلى هذه السرقة الموصوفة، تُستعمل هذه الاستثمارات لأهداف انتخابية، فيصبح كل موظف ناخباً حزبياً بعدما تم توظيفه نتيجة تزكية حزبه الطائفي.

أخيراً، برز نقاش حول تملّك المصارف هذا الأملاك مقابل الديون المستحقة لها على الدولة، في عملية ابتزاز ومحاولة سرقة واضحة للأملاك العامة. اللافت أنّ مَن يملك المصارف ويتعدّى على الأملاك ويدير الدولة هو منظومة واحدة وكأن الموضوع مدبّر حتى يستملك أقوياء المنظومة الأملاك العامة، بعدما قاموا بإدارة سرقة ممنهجة لمقدّرات الدولة، أدّت إلى إفلاسها لتصبح مدينة للمؤسسات المصرفية التابعة لهم. أمر يجب ألا يمرّ مهما كان الثمن، لأن من شأنه أن يبيع لبنان لزمرة من الفاسدين.

Leave a Reply

Your email address will not be published.