رسالة إلى من يريدون بناء معارضة

حسان الزين

الأكثر قسوة في ما فعله الانقسام العمودي، الإقليمي- المذهبي، في لبنان، هو تغييب قضايا الناس والمجتمع ومشروع بناء الدولة. والدليل الأكبر على ذلك هو تنفيذ المنظومة المتسلّطة التابعة والفاسدة، بالتكافل والتضامن مع المصارف، وبدم بارد، أكبر عملية نهب في تاريخ لبنان، من دون أن يكترث كثيرون من اللبنانيين بذلك.

لقد تقدّم الانقسام العمودي في المشهد على القضايا الأخرى، وتحكّم بالسياسة وبأكثريّة اللبنانيين واللبنانيّات، حتّى جاءت 17 تشرين الأول 2019، وانتفض المواطنون والمواطنات، الذين يصح عليهم قول “الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا”.

لذا، فإنّ إحدى “القيم” الكبرى لهذه الانتفاضة اللبنانية هي أنَّ الناس انتبهوا للخديعة التي ناموا عليها لسنوات، وتركوا المنظومة تسرح وتمرح.

وعلى الرغم من ذلك، لم يشرب اللبنانيّون، بمن في ذلك المنتفضون، قهوة الصباح. ولم “يستوعبوا” ما حصل معهم وما ارتكبته المنظومة، وما زالت ترتكبه، ولم يبدأوا بحث ما عليهم القيام به. انشغلوا بهمومهم وشؤونهم “الخاصّة”، التي رمتها عليهم الظروف الطارئة والسياسات السابقة والمستمرة ونومهم عنها وعما ارتكبته المنظومة.

ووسط هذا، طبيعي ألا يتخلّصوا من الانقسام العمودي وتأثيراته ورواسبه، على الرغم من أنه حجب عنهم ما حجب، وما زال المحجوب منه أكثر من الظاهر.

عقدة “مركزية”

وبلا شك، تتحمل حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض مسؤولية في ذلك. فهذه، لم تُنتج بعد خطابها ومشروعها وبرنامجها وإطارها، أي ما يلامس هموم الناس وتطلّعاتهم، ويشجّعهم على المراجعة والتفلّت من المنظومة وتأثيراتها المستحكمة. باختصار، لم تنتج هذه الحالات والقوى بديلاً معارضاً مقنعاً يطمئن الناس ويجذبهم.

ويبقى الأمل قائماً.

ومن أبرز العِقد التي تواجه ذلك، مركزية تلك الحالات والقوى، مثل كلّ شيء في هذا البلد. والمركزية هنا لا تعني أن أكثرية تلك الحالات والقوى، ومراكز قرارها، موجودة في العاصمة فحسب، بل تعني أن تلك الحالات والقوى حين تتحاور، في بيروت، يحضر على الطاولة “عمقها” وخلفيّاتها. وهذا العمق وتلك الخلفيّات لم تتحررا بعد بالشكل اللازم من الانقسام العمودي وتأثيراته ورواسبه.

وهذا ما يجب تجاوزه، أوّلاً بشروع تلك الحالات والقوى، التاريخية منها والجديدة أيضاً، إضافة إلى الأفراد، بورشة تنقية النفس من “رواسب” الانقسام العمودي، لا سيما تغييب قضايا الناس والمجتمع ومشروع بناء الدولة، ويتواءم ذلك مع تحديث النفس والخطابات والمشاريع؛ وثانياً بتشريع الأبواب والشبابيك لابتكار أطرٍ وأساليب عمل تكسر هذا الحاجز وتسهم في تفعيل الحوار، في ما بين الحالات والقوى من جهة، وفي ما بينها وبين المواطنين من جهة أخرى.

المناطق “قضية مركزية”

وأوّل ما يحضر في سياق التفكير في تجاوز هذه العقدة وغيرها هو المناطق. فالمناطق، بما في ذلك بيروت بوصفها منطقة، هي الأرض التي (يجب أن) تقف عليها تلك الحالات والقوى. والمواطنون والمواطنات هم وهنّ المصدر والمرجعية التي يُفترض أن تنطلق منهما تلك الحالات والقوى، قبل عقائدها وخطاباتها وأعماقها وكل ما علق من “رواسب” الانقسام العمودي والسياسة الفوقية التي كرّستها القوى المذهبية المتسلّطة.

ويستدعي الانطلاق من المناطق، أي من الناس والمجتمع، التخفيف من وطأة الانقسام العمودي، الإقليمي- المذهبي، الذي غيّب ويغيّب قضايا الناس وشؤونهم، وينصب جداراً في طريق حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض لبناء نفسها والارتقاء إلى قوى معارضة. إضافة إلى أن البقاء في مستنقع الانقسام العمودي هو تعميم وتجديد وترسيخ له ولقواه، ويجعل حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض مجرّد صدى له وللمنظومة.

لذا، وإذا ما اتفقنا على أن قضايا الناس والمجتمع ومشروع بناء الدولة هما “قضية مركزية”، وإذا ما اتفقنا على أهميّة العمل في المناطق، لا بد لكل مواطن منّا، سواء أكان حزبيّاً أو يعمل ضمن مجموعة أو غير حزبي، أن ينتصر للمجتمع وحمايته ويعيد الاعتبار لقضايا الناس (في منطقته ولبنان عموماً) ولمشروع بناء الدولة. وأحسب أن هذا ما يميّز حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض عن القوى المذهبية، وهو الحجر الأساس في عملية بناء المعارضة.

أولويّات ومبادئ

وإذ لا يُطلب من أحد من هؤلاء أن يتخلّى عن عقيدته أو موقفه السياسي، لا ضرر إذا ما كان يريد العمل لبناء قوى جديدة وللارتقاء نحو المعارضة الوطنية، في أن يُعيد ترتيب أولوياته، انطلاقاً من سؤال حماية المجتمع وقضايا الناس ومشروع بناء الدولة أو الانقسام العمودي الإقليمي- المذهبي؟

وليس القصد من إعادة ترتيب الأولويّات تذويب العقائد أو تقيّة المواقف السياسيّة، بل الاهتمام بإنتاج مساحات عمل مشترك، ديمقراطية تتّسع للجميع ومنفتحة على المواطنين والمواطنات، وتسهم في بناء قوى جديدة وفي صوغ الخطاب والمشروع المعارضين وما يستلزمه العمل من برامج وسياسات. ومن أجل ذلك، من المفيد الاتفاق على مبادئ وطنية وأساسية تحكم العمل المشترك وتكون بمثابة عَقد يلتزم به المنضوون، كي يستطيعوا العمل معاً، ويفتحوا أبواب الحوار في ما بينهم وفي ما بينهم وبين المواطنين على حد السواء، وكي يذهبوا مباشرة في بوصلة قضايا الناس وحماية المجتمع ومشروع بناء الدولة. فلا يبدّدوا الجهود والطاقات (وهي قليلة وكثيرة في آن) في الانقسام العمودي وتحت تأثيره. فهذا ما تريده المنظومة، أي أن نبقى في سجن الانقسام العمودي الذي يحجب الرؤية عما تفعله بنا، فلا نبني قوتنا المنتمية إلى المجتمع ومشروع بناء الدولة.

ويتطلّب ذلك العمل الدؤوب لإخراج الانقسام العمودي وعناوينه من دفتر شروط الاتفاق، وذلك ليس من خلال تأجيله، إنما عبر التحرر من أعباء الانقسام ورواسبه الفكرية والسياسية، وعبر مقاربة وطنية وعقلانية له تضعنا خارج خريطة الانقسام العمودي واصطفافاته.

الجنوب و”الوضوح”

فمثلاً، في الجنوب، ليس المطلوب الأوّل هو أن نحدّد موقفاً من حزب الله، انطلاقاً من الانقسام الإقليمي- المذهبي الذي لا ننتمي إليه، إنّما المطلوب ضمن إعادة الاعتبار لقضايا الناس والمجتمع ولمشروع بناء الدولة، إنتاج خطاب يتميز عن خطابي 8 و14 آذار.

والمطلوب أيضاً أن يُطلق من الجنوب ومع آخرين من المناطق كلّها ورشة لإنتاج مقاربة جديدة للمقاومة (وهناك فارق ما بينها وبين حزب الله) ومستقبلها إنطلاقاً من الوطنية اللبنانية (لا المذهبية ولا التبعية) ومن مشروع بناء الدولة. وهذا يحتاج إلى حوار وجهد وعقلانيّة، ولا يمكن للقوى المذهبية أن تقوم به. وهذه المهمة ليست مسؤولية وطنية مترتّبة على حالات الاحتجاج وقوى الاعتراض فحسب، بل هي تُسهم في حجز موقع خاص ووطني لها خارج الانقسام العمودي.

وبناءً على هذا الدور الوطني الجديد، وبعد حجز الموقع المناسب خارج 8 و14، لا سيما في الرأي العام اللبناني عموماً والجنوبي خصوصاً، يُنظر بأدوات سياسية إلى حزب الله، انطلاقاً من الواقع والسياسة، ودائماً انطلاقاً من بوصلة الناس وقضاياهم ومشروع بناء الدولة.

فموضوع المقاومة معقّد ودقيق ومرتبط بالإقليم والمذهبية وبالدولة. ومن المؤذي لحالات الاحتجاج وقوى الاعتراض أن تأسر نفسها خلال مقاربته بالانقسام العمودي المذهبي والإقليمي وخطاباته.

إنها دعوة إلى الحوار والعمل معاً في مساحات ديمقراطية مشتركة، تُعيد ترتيب الأولويّات، من الانقسام العمودي الإقليمي- المذهبي إلى قضايا الناس وشؤون المجتمع ومشروع بناء الدولة، بعيداً من أوهام امتلاك “الحقيقة” ومزايدات الجرأة على النطق بـ”الوضوح” الذي يُفترض أنه نسبي.

Leave a Reply

Your email address will not be published.