نكبتنا

حسان الزين

أثبت الشعب الفلسطيني الذي أُسقِط من الحسابات والصفقات لسنوات أنه لم يُزل، بل لا يزال حيّاً.

وأثبتت القضيّة الفلسطينيّة أنّها لم تمت، ودخلت مرحلة جديدة.

فقد جمعت، في لحظة تكثف فيها الاحتلال والإحلال والعنصرية…، إضافةً إلى بُعد تحرير الأرض، أبعادَ حريّة الإنسان وكرامته وحقوقه.

وإذ استقرّت القضية في أرضها التاريخية ووحدت شعبها، تحرّرت من أسرها في صورة العبء التي قيّدها بها كثيرون من الراغبين في تنصّلهم منها.

وإذ فعلت ذلك، جعلت العلاقة بينها وبيننا، نحن المواطنين العرب، على مستوى الضمير، بل في مستوى الضمير.

ولم تتركنا وضميرنا فحسب، إنّما وهي تترفّع عن طلب شيء منّا، رفعت في وجوهنا مرايا كثيرة، هي مرايانا في الأصل: مرايا أحوالنا وظروفنا في أوطاننا ودولنا وتحت حكم الطغاة التابعين الفاسدين.

لم تدر ظهرها لنا، إنّما تضع عينها في عيوننا، وتسأل عمّا إذا كنّا في حال أفضل من حال ذاك الفلسطيني وتلك الفلسطينيّة، في القدس والضفّة الغربية وغزة والأراضي المحتلّة منذ 1948، تحت الاحتلال والحصار وفي الشتات، في مواجهة العنصرية والعدوان والتهجير والتنكيل والبطش.

وكما هي كذلك نحن، تعرف ونعرف الجواب.

فهي قبل أن تعود إلى ديارها وإنسانها المصلوب ذاقت خذلاننا لها. ولم نخذلها بالتنكّر لها في اللسان فحسب، أو في تقييد نصرتنا لها وإخضاعها لمزاجات المتحكّمين، إنّما خذلناها بأحوالنا وبالأنظمة التي ارتضينا بها.

وها هي، وها هو شعبها، يقولان لنا إن أحوالنا وظروفنا ليست أفضل من أحوالهما وظروفهما. وإذ يتلافيان (خجلاً) أن يشبّها أنظمتنا وطغاتنا بالاحتلال، فإنّنا نسمع هذا الصدى في القعر الذي بتنا فيه.

فصورة الفلسطيني/ ـة وهو يُقصف ويُهجَّر من بيته ويُشتّت ويُطلق عليه الرصاص ويُسحق في الشارع…، ألا تُذكّرنا بأنفسنا؟ ألا يُذكر افتقاده إلى جهة يلجأ إليها لينال العدل بأحوالنا؟

وهكذا تتجدد القضية الفلسطينية، ولعلّها تنتقل من طلب الاستعانة بالأنظمة العربية إلى مخاطبة المواطنين العرب (وفي العالم) وضمائرهم.

ففلسطين تتحرر بصمود شعبها ونضاله ومقاومته الاحتلال، ونحن نتحرر من خلال بناء دول وطنية ديمقراطية. ومن هذه الطريق، نسهم في تحرير فلسطين، الذي من دونه لن يتحرر العالم وضميره.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *