“لا أنام” … بانتظار أن تنتهي استراحة المولّد الكهربائي

إنها الثالثة صباحاً. 

استيقظت فور بدء تقنين مولد الكهرباء. الرطوبة لا تسمح بالاستغراق في النوم. 

خرجت الى الشرفة لعلني أجد بعض البرودة، بعد انطفاء المكيف. الحي كله غارق في ظلمة شديدة، لا شيء سوى سيجارة جاري العجوز. ها هو يجلس قبالتي في المبنى المجاور. يبدو أن الحر أيقظه مثلي، ومثل الكثير من اللبنانيين الذين تقطعت بهم السبل مع أبسط حقوقهم كالنوم!

“عم ريحوا”، باتت العبارة مصدر قلق مستجد، والعبارة بالأصل هي لأصحاب المولدات الخاصة، هي جوابهم على كل المعترضين على تقنين المولدات الخاصة مع انقطاع مادة المازوت بسبب التهريب ونقص السيولة بالعملات الصعبة.

تقنين أصحاب المولدات يأتي ليراكم تقنين “الدولة” (أي الكهرباء الحكومية)، التي أصبحت تأتي أربع ساعات كل 24 ساعة، كحد أقصى في معظم المناطق اللبنانية بخاصة النائية منها.

أحار وأنا انتظر الساعات التي تمر ببطء شديد، ماذا أفعل؟ هل أنام على الشرفة المتسخة بالغبار، أو أواصل الانتظار على الكرسي؟

مع بدء الانهيار أصبحت الشرفة لـ”الجهاد الزراعي” كما أوصى الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله في أحد خطاباته لمواجهة الأزمة. الآن تستعمل الشرفة للنوم لمواجهة تقنين الكهرباء والحرّ، وربما لاحقاً سيكون على هذه الأمتار الضيقة، حل الأزمات الأخرى في البلاد، في ظل الاستعصاء والفشل المستمرّين.

إنها الساعة الخامسة، ما زلتُ هناك، وجاري ما زال يدخن ويسعل بقوة، وإن زادت ساعات التقنين، الأرجح أنه سيموت من كثرة الدخان، لا من شدة الحرّ.

كلانا ينتظر حلول السادسة صباحاً، الموعد المنتظر لعودة الاشتراك من استراحته الطويلة، كي نحصل على ساعة نوم صباحية قبل الذهاب إلى العمل.

في قريتي العكارية البعيدة مثلاً، التقنين أقسى، فالمناطق النائية ليست “مدللة” كالمدن، لكن الطقس أرحم، تأتي كهرباء المولد من الثامنة مساءً حتى الواحدة فجراً فقط. الجو لطيف هناك، على رغم أنه لا يخلو من الحشرات، لكنني أستطيع أن أغفو برفقة ثلاث قطط تعيش في باحة منزلنا. 

قال جبران باسيل “اعرفوا يا لبنانيي مين عم يعتّم عليكم!”، وشرح أن النواب لم يسمحوا له باستيراد الفيول للمعامل، ورد عليه نواب القوات اللبنانية بأنه كذب، وأنه رفض هبة كويتية (لا نوم وكهرباء من دون هبات)، وفتح سجال حول المسؤولية عن وضع الكهرباء في لبنان، وما زال السجال مفتوحاً، فيما ننتظر أنا وجاري الساعة السادسة صباحاً، ونفكر بساعة النوم التي سنحصل عليها، حتى النوم أصبح ترفاً في هذه البلاد المنهارة.

عندما أستيقظ كل ليلة بعد انقطاع الكهرباء والمكيف، أبدأ بالتفكير، فالضجر والعتمة يجعلان المخيلة تسرح، هل جبران باسيل يخلد مثلنا للنوم باكراً لأنه يعلم أنه عند الثالثة صباحاً، سيطفئ الاشتراك مولده، وتقطع الكهرباء عنا؟ أو هل يعاني سمير جعجع من التقنين في معراب، وتنفذ بطارية هاتفه من دون أن يستطيع شحنها، ويوصي ستريدا بأن تغسل الأبيض على الدولة لا الاشتراك، للتخفيف قليلاً من المصروف المنزلي؟

أصبحت الساعة السادسة، سأعود للنوم قليلاً، وأصلي أن “تشتي بي آب، وتتلج عالدنيي كلها” كما تقول الاغنية، فهو يبدو أسهل من حل مشكلة الكهرباء في لبنان.

إقرأوا أيضاً:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *