لبنان: الارتطام… مرضى السرطان في الشارع

 لن يجد المحرر أقوى من هذا العنوان الذي لا ينسجم مع وظيفته كضابط لإيقاع المقال، فمهما حاول أن يستخرج فكرة أخرى، ستكون دون قدرة هذه العبارة على القول وعلى الألم وعلى الذهول. مرضى السرطان خرجوا إلى الشوارع في لبنان! خرجوا ليواجهوا ما هو أخطر من المرض، أي النظام الذي يحرمهم من العلاج. المرض طرح نفسه عليهم بصفته احتمالاً تمكن معالجته، أما النظام وأهله فلا سبيل أمامهم لمواجهتهم سوى الاستئصال. فهل من وجوه أبشع من وجوه أهل النظام ممن لم يحرك بهم ساكناً مرضى مرهقين وجدوا أن لا سبيل للعلاج في ظل سلطة هؤلاء. علينا هنا أن نستعرض وجه أهل النظام فرداً فرداً، في لحظة خروج هؤلاء الناس إلى الشارع، لا سيما من بينهم الرؤساء كبار السن ممن يحتمون من أمراضهم بترسانة أطباء يدفعون لهم ما خزنوه في قصورهم من ودائع الناس.

حصل ذلك بينما ميشال عون يواصل تعطيل تشكيل الحكومة ليؤمن مستقبل صهره السياسي، ورؤساء الحكومة السابقون يتحدون ضد المحقق العدلي بقضية انفجار المرفأ طارق بيطار لأنه استدعى زميلهم بالفساد وبالفشل حسان دياب، وحصل أيضاً في ظل اتهام أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله المتظاهرين المحتجين على الفساد بأنهم مجرد عملاء سفارات!

ماذا لو عرضت إحدى السفارات على هؤلاء تقديم العلاج يا سيد؟ فالمرض داهم والدواء محتكر في مخازن مسؤول الحزب في الزهراني، ولا وصول إلى العلاج من دون تدخل سفارة ما! ما هو حكمك على مريض سرطان قرر اللجوء إلى إحدى السفارات؟ هل يمكن أن تعدهم بباخرة تقلهم إلى إيران؟ هل من علاج في إيران؟

الأرجح أن بلداً في العالم لم يشهد هذه الواقعة. مرضى السرطان يتظاهرون ضد دولة حرمتهم العلاج! باع تجارها أدويتهم المدعومة من ودائع المواطنين. سرقوا الدواء وسرقوا الودائع التي تدعمه بضربة واحدة. الفساد المخصب والمشحون بشراهة لم يسبقهم إليها لص على مدى تاريخ اللصوصية. 

بإمكان المرء أن يصنف المواطنين في دولة ميشال عون وحسن نصرالله ورؤساء الحكومة المكلفين وغير المكلفين إلى ضحايا المرفأ الأموات والأحياء، ومرضى السرطان المحرومين من العلاج، وأهالي انفجار عكار وأقاربهم، والمودعين الذين خسروا جنى أعمارهم بعدما سطت المصارف ورياض سلامة على أموالهم، ويليهم من خسروا تعويضاتهم في صندوق الضمان الاجتماعي الذي على وشك أن يعلن إفلاسه، من دون أن ننسى مرضى السكري، فهؤلاء نسبتهم التمثيلية أكبر من غيرهم، وهم بدورهم فقدوا قدرتهم على الوصول إلى الدواء، إضافة إلى مرضى الصرع الذين اكتشف وزير الصحة، قبل أن يتراجع عن تصريحاته، أن أدويتهم المقطوعة من الأسواق، مخزنة في مستودعات الحاج عصام خليفة.

الأرجح أن بلداً في العالم لم يشهد هذه الواقعة. مرضى السرطان يتظاهرون ضد دولة حرمتهم العلاج!

سنكتشف أن تصنيف المواطنين وفق هذا المنطق يغطي أكثر من 90 في المئة من المواطنين، وهو قد يصلح لتصور عن التحرك المفترض في مواجهة سلطة السطو والفساد والارتهان. أي أن علينا أن نتوزع في التظاهرة كقطاعات من الضحايا، يتقدمنا المودعون الذين قد يكون بينهم الأكثر شباباً، وربما شاركهم في موقعهم المتقدم أهالي ضحايا المرفأ، ذاك أن هؤلاء سيكونون مدفوعين بضغينة تم شحنها بانفجار هز العالم وقتل أبناءهم ولم يحرك ساكناً برؤساء الحكومة السابقين الذين اعتبروا أن التحقيق بالجريمة إهانة للطائفة الكريمة!

مرضى السرطان في الشارع! إنه الارتطام الذي كنا ننتظره ونتساءل عن شكله وعن دويه. لا شيء يمكن أن يفوق هذا الحدث فظاعةً. انفجار المرفأ الذي هز العالم لا يدفع إلى هذا القدر من الذهول. وانفجار المرفأ سبقه نظيران له في التاريخ حتى بتنا نسميه ثاني أكبر انفجار غير نووي في العالم، أما تظاهرة مرضى السرطان فهي حدث غير مسبوق، ولم تشهده أكثر تجارب السلطات فشلاً وفساداً وتعسفاً.     

إقرأوا أيضاً:

[embedded content]

Leave a Reply

Your email address will not be published.