غزوة مغدوشة الثالثة

انا الابن الأصغر لأبي وأمي. أحد عشر أخاً وأختاً. أمضيت مثلهم السنوات المدرسية الثلاث الأولى في مدرسة القرية. غرفة واحدة تتّسع لأبناء القرية الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و10 سنوات. يأتي المدرس على دراجة نارية، يشرح الدروس للجميع وتكون المعرفة متاحة بالتساوي. نتخرّج عندما ننهي الصف الابتدائي الثالث، وننتقل الى مغدوشة لمتابعة دروسنا هناك. 

الأستاذ مارون الذي كان يأتي في الصباح من مغدوشة، كان يشعرنا بأن كل ما يعرفه ملكنا، يحدّثنا ويعلّمنا ويكتب على اللوح. أعراس القرية يتصدّرها، كذلك أتراحها. تخرّجنا معاً، هو انتقل ليكون ناظراً في ابتدائية مغدوشة الرسمية وأنا تلميذ الثالث الابتدائي فيها. صار أكثر رصانة هو الاعزب الدائم بين تلامذته الذين انتقلوا من زيتا معه. شعرنا هناك بأنه ولي أمرنا وحامينا. سألني مرة عن سبب تأبطي كتاب التاريخ دون غيره. أجلسني على حائط السور ليخبرني ان الزمن تبدل، وأن أم توفيق التي أوصته بالانتباه على البقرة وعلى ولدها اضطرت للنزول الى صيدا. ولدها البكر مريض ويحتاج طبيباً ليعاينه.

تعلمنا في مغدوشة حتى المرحلة الثانوية، أساتذتنا ونظارنا ومدراؤنا منها، كذلك الأستاذ مارون الخوري الذي مات، بل نجا، قبل أن يرى أبناء تلامذته يتقاتلون على فقرهم وحرمانهم من أبسط شروط العيش. لم ير هذا الحقد الدفين مستوراً تحت عباءة العيش المشترك والتعايش ووحدة المصير. نجا مارون، أستاذنا، فلم يعرف أن محطة المحروقات صارت طائفية ومناطقية وبلدية.

إنها “السياسة”، التي تعتاش على الصراعات، وديدنها القبلية والعشائرية، ما دفع حسن إلى أن يهتف في مغدوشة “شيعة، شيعة”.

لم تنج مغدوشة من حرب المخيمات في الثمانينات. استولت عليها “حركة امل” لتقاتل منها مخيم عين الحلوة. ضاق المكان بأهلها فهاجروا. أكثرهم صوب الجنوب، وبعضهم الى دار العناية في الصالحية حيث يقيم الكاثوليك ديرهم، وقلة باتجاه الشمال، إلى بلونة وبعض قرى كسروان، وهناك كانوا غرباء. وفي هذا الوقت شهدت بلدتهم حرباً ثانية لا يد لهم فيها. القتال بين “حركة أمل” و”حزب الله” في إقليم التفاح، كانت مغدوشة أحد مسارحه. مغدوشة الكاثوليكية احترقت في كل الحروب. 

اليوم وفي ظل الانهيار أعلنت معظم القرى حكماً “ذاتياً”. صارت الهوية والأرقام “بوناً” لتعبئة البنزين والمازوت. رفضت مغدوشة الانصياع للعزلة، أهالي عنقون وزيتا وزغدرايا وبعض أهالي الغازية صارت محطات مغدوشة قبلتهم. استقبلوا الجميع بطابور واحد وظلم واحد وكمية بنزين واحدة.

لم يخرج بعض جيران مغدوشة من شعور المنتصر في الحرب. وضعوا تفوقهم العددي بتجارة المحروقات. تواجه الفقير مع الفقير، ولم يشفع لابن مغدوشة الدكتور هشام حايك كل العمليات الجراحية التي أجراها مجاناً لفقراء القرى، وهو ما دعاني إلى التفكير بالأستاذ مارون الذي مات متفادياً امتحاناً موازياً مع تلامذته. 

فالدكتور هشام  اعتقد أن بيده الحل طالما أنه طبيب الجميع، وقف بين المتخاصمين، أدار وجهه لبلدته معتقداً أن ظهره آمن، إلى أن جاءه سكين قطع وتر يده اليمنى. هي ذاتها اليد التي يجري عملياته فيها من دون أجر أو منة. 

إنها “السياسة”، التي تعتاش على الصراعات، وديدنها القبلية والعشائرية، ما دفع حسن إلى أن يهتف في مغدوشة “شيعة، شيعة”. وبعد ذلك يزور المسؤول الثقافي لـ”حركة امل” نائب البلدة ميشال موسى. هو ذاته النائب الذي وقّع على عريضة منع رفع الحصانة عن المطلوبين من أقرانه بتهمة تفجير المرفأ. هو ذاته المتبوئ النيابة لثلاثين عاماً بأصوات الـ”شيعة شيعة”. قال لرئيسه فيك الخصام وأنت الخصم والحكم. أثنى عليه مطرانه ورافقه الى عنقون، فضاعت المظالم ولم نعد نعرف من اعتذر من حسن. “هل سمعتم بذئب عضه الحمل”.

لم يشفع للبلدة مدرسوها الذين جابوا الجنوب وقراه، وأقاموا فيها قبل وجود وسائل النقل. لم تشفع لهشام إنسانيته ولا علمانيته المعلنة.

الفطرة كانت أقوى من الجميع، وغزا المتقاتلون مغدوشة مرة ثالثة!

إقرأوا أيضاً:

[embedded content]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *