لبنان: لماذا رفض دبّ حولا الرقص للسلطة؟

في “أنفاس” الضوء الأخيرة التي يلفظها غروب الشمس، يبدو المنجل والمطرقة الصخريان أكثر وضوحاً من ثلاثة أعمدة رخامية سود قاتمة تحتهما، لا يسمح الضوء المتوفر بقراءة الأسماء الكثيرة المحفورة هناك، وترفرف إلى جانب المطرقة والمنجل أعلام حمر لـ”الحزب الشيوعي اللبناني”. كانت بركة الماء القديمة لا تزال هناك، وكانت غالباً دليلي إلى منزل أهل أصدقاء شيوعيين، تركوا منطقة طريق الجديدة في بيروت، وعادوا إلى قريتهم حولا قبل سنوات للاستقرار بشكل نهائي فيها في بيت متواضع بنوه مع أبنائهم كأحجار الليغو قطعة بقطعة على مرّ السنين. اليوم بات النصب التذكاري لشهداء الحزب الشيوعي دليلاً إضافياً، مع البركة القديمة، إلى بيت الأصدقاء الشيوعيين، الذين قصدتهم لأسألهم عن الجار الجديد الذي ترافق حضوره مع إشكاليات ونقاشات وبعض التوتر. تعاني السيارة كلّ مرة في صعود “الطلعة” إلى بيتهم، وهذه المرة مع نقاط الماء التي افلتتها السماء الخريفية على الإسفلت، كانت المعاناة اصعب مع “تزحيط” الإطارات. لكنني ركنت السيارة أخيراً ودخلت إلى البيت بعدما استقبلتني الصديقة القديمة، وأرشدتني إلى غرفة النوم حيث نقلوا جلساتهم بعدما وقعت أمها عن شجرة أثناء قطاف الزيتون وكسرت فقرة في ظهرها، جعلتها طريحة الفراش. 

مع الشاي والتمر، بدأت الحكاية عن الجار الجديد، متداخلة مع الأخبار عن الأحوال وعن البلاد والعباد. ولا تبتعد قصة النصب، الذي سبّب مشكلة بين أبناء البلدة حول وضعه في مكانه هذا، من قصص اللبنانيين هذه الأيام، التي لا ينقصها شيء من الهمّ والغمّ، ولا تبتعد كثيراً من قصص “الغريب والجرّة” و”الشلال” في مسرحية “شي فاشل” للشيوعي القديم زياد الرحباني، ولا تغيب السياسة بطبيعة الحال عن الحكاية، فهو في العمق نصب سياسي، يؤكد حضور الشيوعيين في البلدة التي تمدد فيها حضور “حزب الله” وحركة “أمل”، حتى باتا يمتلكان حق النقد “الفيتو” على أمور “مصيرية” كثيرة، وبينها النصب التذكاري.  

حين رأيتُ النصب على صفحة الحزب الشيوعي على “فايسبوك”، وشاهدت فيديو إزاحة الستار عنه، لم اكن لأفهم معنى تركيبته، لولا أن عريف الحفل شرح للحضور، ولنا نحن المشاهدين عبر هواتفنا “الذكية”، أن أعمدة الرخام الأسود الثلاثة “تمثّل الحزب والوطن والمقاومة وتمثّل أيضاً الراية والبندقية والقلم”، وهذه الأعمدة الرخامية السوداء “تحمل اسماء 48 شهيداً من الحزب الشيوعي اللبناني سقطوا دفاعاً عن بلدتهم بين عامي 1948 و2006″، بحسب الأصدقاء الشيوعيين. 

إزاحة الستار عن النصب، الذي كان يفترض أن يفتتح في ذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) في 16 من أيلول/ سبتمبر، تأخّر بسبب إشكالات تداخل فيها اللوجستي بالإداري والسياسي والمحلّي، ما أدى إلى تأجيله حتى الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. والمفارقة الساخرة أن من أنجز بناء النصب وكتب اسماء ضحايا الحزب الشيوعي على اعمدته، هو شخص يعمل في الرخام ينتمي إلى “حزب الله”، بحسب الأم التي بدت متحمسة للحكاية والشرح لولا أن حالتها لا تساعدها على التحرّك كثيراً، ولولا زوجها الذي بدا متحفظاً في عدم الخوض في التفاصيل. لكن أن يكون باني نصب “شهداء الحزب الشيوعي” في حولا من “حزب الله”، فهذه مفارقة تقول الكثير عن العلاقة الملتبسة والمتذبذبة بين الحزب الشيوعي والحزب الإلهي.

يقول المثل الشعبي الجنوبي “كل الدببة رقصت إلا دب حولا”. وللمثل حكاية تروى، ولا يستطيع أحد تأكيد صحّتها، لكنها تحمل دلالات كثيرة حول طبيعة أهل قرية حولا، وعلاقتهم بالسلطة.

فالتأخير الذي طاول إنجاز النصب، حمل اتهامات بالعرقلة لأشخاص مقربين من “حزب الله” و”حركة أمل”. وينقسم شيوعيون حاليون وسابقون، بين من يحمّل المسألة أبعاداً سياسية ترتبط بالصراع على التاريخ والحاضر والمستقبل بين “الحزب الشيوعي” والحزبين الشيعيين المسيطرين على المنطقة، وبين من يرى أن تحميل المسألة أبعاداً سياسية، مبالغ فيه، لأن النصب أنجز في النهاية، والتأخير يعود إلى أسباب إدارية تتعلق بالأوراق الرسمية المقدمة من الحزب الشيوعي إلى البلدية التي يسيطر عليها “حزب الله” و”أمل”، مع عضو يتيم للحزب الشيوعي، والتي تضمنت طلباً بإقامة لوحة تذكارية، وليس نصباً بحجم كبير، ما أثار بلبلة واعتراضاً من قبل سكان أحد البيوت الذين اعتبروا أن النصب يسدّ عليهم الـ”فيو” (الإطلالة). 

في الحالين، كثر الهمس حول السياسة، خصوصاً مع توقيت افتتاح النصب، وخروج أمين عام “الحزب الشيوعي اللبناني” حنا غريب من قلب البلدة ومن أمام النصب مظللاً برايات حزبه، ليتبنى على الملأ، وأمام أهل حولا خطاباً داعماً لانتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر “التي أثمرت وكنتم انتم من أنضج ثمارها”، ويربط إزاحة الستار عن النصب التشريني، بمناسبتين تشرينيتين أخريين تتصلان به، هما العيد السابع والتسعون لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني (24 تشرين الأول 1924) وذكرى مجزرة حولا التي ارتكبتها عصابات صهيونية بسكان البلدة (31 تشرين الأول 1948)، وأن يقول كلاماً عن دعم التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، وإدانة المسؤولين عن مجزرة الطيونة موزعاً المسؤوليات بين “حزب الله” و”أمل” من جهة والقوات اللبنانية “المجرمة”، كما سماها من جهة ثانية، ومحملاً الأحزاب السياسية الحاكمة ما وصلت إليه البلاد من انهيار اقتصادي وسياسي على مختلف الصعد، مشدداً في الوقت عينه على “حماية المقاومة”، قائلاً “إن الحفاظ على انجاز التحرير لا يكون إلا بإسقاط هذا النظام السياسي الطائفي”. 

هكذا يبدو الخطاب شبيهاً بالنصب التذكاري الذي ألقي في حضرته: فكرة شيوعية، منفّذها من “حزب الله”، مجبولاً بالتناقضات، التي تجمع تاريخاً من التنافس على تاريخ العمل المقاوم، مع صراع محتدم ضد السلطة وعليها، وتعايشاً اجتماعياً بين متناقضات سياسية، لا يجمعها إلا “خيط” شعار المقاومة ضد إسرائيل، فيما يبدو أن الملفات الأخرى خلافية حتى العظم، ولا تشي أبداً بأي فرصة للتعايش. 

لكن الأمر يحدث بشكل مدهش. فهنا، في القرية، على ما يقول الوالد الشيوعي، الذي عايش مراحل مختلفة من تاريخها السياسي، قد تجد في البيت الواحد اشقاء من “أمل” و”حزب الله” و”الحزب الشيوعي”. وهذا الأمر يجعله حريصاً على عدم الخوض في المسائل السياسية، كما يقول حينما نسأله عن الملابسات التي أحاطت بالنصب: “ما بدنا نكبرها، اشكال صغير وخلص بأرضه”، وهو جزء من المشكلات التي اعتاد أبناء القرية على حدوثها من وقت إلى آخر. فالاصطدام الاجتماعي والسياسي بين هذه المكوّنات المتناقضة محتمل دائماً، وقد سبق أن حدث لأسباب مختلفة في الماضي، بينها مثلاً الإشكال الذي حصل في البلدة قبل عشر سنوات، حين تجمع مناصرون لـ”حزب الله” أمام منزل واصف الحسين، الرجل الوحيد في البلدة الذي يبيع الكحول، وهو ابن عائلة شيوعية، وطالبوه بإقفال محله. لكن الرجل رفض المساومة وصمد في وجه الحملة ضده، وظل يبيع الكحول.

المفارقة الساخرة أيضاً، أن واصف الحسين توقّف “تقريباً” عن بيع الكحول، لكن هذه المرة بسبب الأزمة الاقتصادية. فقد أصبحت الأسعار مرتفعة جداً بسبب انهيار العملة اللبنانية، ومعظم الكحول مستورد بالدولار الأميركي، ولا قدرة شرائية لمن يشربون الكحول في المنطقة على تحمّل كلفته. يقول إنه يبيع بعض العرق البلدي لبعض الزبائن ليس إلا. هكذا نجحت الأزمة الاقتصادية في تحقيق ما عجز عنه “حزب الله” في حولا. وربما لهذا السبب، ولغيره، تحمّس واصف ومعه آخرون من حولا، للمشاركة في تظاهرات انتفاضة تشرين في مرجعيون والنبطية، وحتى في بيروت “على رغم مشقّة الطريق والأوضاع الاقتصادية الصعبة لأبناء البلدة”، على حدّ تعبيره. الشيوعيون وأصدقاؤهم اليساريون في حولا مع جو الانتفاضة التشرينية وضد أحزاب السلطة، يقول واصف، و”الآخرون من أصحاب الإعاشات ما فرقانة معهم، يقولون إنهم يريدون انتخاب الأحزاب نفسها التي تسببت بالأزمة لأن شيئاً لا ينقصهم، إذ تؤمن لهم الأحزاب بطاقات نور وسجّاد وغيرها من البطاقات التموينية”.  

يقول المثل الشعبي الجنوبي “كل الدببة رقصت إلا دب حولا”. وللمثل حكاية تروى، ولا يستطيع أحد تأكيد صحّتها، لكنها تحمل دلالات كثيرة حول طبيعة أهل قرية حولا، وعلاقتهم بالسلطة. فالحكاية تقول إن “البيك” (من آل الأسعد) عاد من رحلة إلى الحج، فاجتمع مخاتير ووجهاء القرى لاستقباله، وكانت العادة أن يقوم كل مختار برقصة تشبه رقصة الدب، وعندما ينتهي من رقصته، يخطب بالحاضرين ويهب أرضاً أو عقاراً لـ”البيك” الإقطاعي بمناسبة عودته من الحج. إلى أن وصل دور مختار حولا، فرفض تأدية تلك الرقصة وقال: “الأرض ملك اهلها من الفلاحين ولا أستطيع التصرف بها أو وهبها لأحد”. 

والقصة، وإن كانت ضعيفة لجهة السند والتأكيد، خصوصاً أن المثل نفسه معروف بصيغة ثانية ولأسباب مختلفة في منطقة جبيل حيث يقال إن “كل الدببة رقصت إلا دب إهمج”، إلا أنها برمزيتها تصيب حال حولا القادرة على إبراز تمرّدها حتى مع سيطرة الحزبين الطائفيين الشيعيين على بلديتها وفضائها العام. فإذا كان من بين أهل حولا من يرقص للنظام الطائفي وأحزابه، فإن من يرفضون الرقص ليسوا قلّة، وأصواتهم ليست خافتة، وإن كسر الزمن والزيتون ظهورهم وأحياناً ألسنتهم، وإن حاول كثيرون كتمها وإخفاءها. 

إقرأوا أيضاً:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *