مهرجان بابل الدولي: حينما تنتصر المدينة بالغناء

كان هذا كل ما كنت احتاجه لأعيد إلى روحي جزءاً من الأمل الذي لطالما دفعنا ثمنه باهظاً في هذه البلاد. كانت طاقتي قد نفدت تماما بسبب كل الاخبار المتراكمة كبلاطة ضريح فوق صدورنا، وها هو خبر افتتاح مهرجان بابل بعد غياب دام لـ١٨ عاماً، يفتح نافذة صغيرة للأمل. 

المهرجان هذا كان جزءاً من طفولتي، حاضراً عبر التلفاز. وكان باباً للأحلام: لطالما حلمت بالتوجّه نحو خشبة المسرح لاحتضان حاتم العراقي، أو التقدّم مع وردة إلى مهند محسن. لكن كوابيس الحرب احتلت مساحات أحلام الطفولة هذه، ولم تعد إلا عندما شاهدت الإعلان عن عودة المهرجان كنوع من الانتصار على الحرب والدمار.

الانتظار الذي تحول الى رفض 

في البدء اتفقت مع أكثر من 7 اصدقاء وصديقات للتوجه الى المهرجان، لكن وقبل يوم واحد من الافتتاح، نبضَ الخوف في عروقهم بدل الحماس الذي كان واضحاً في نبرات أصواتهم. خرجت أصوات أعلى من أصواتنا وأضخم: الخوف. نعم للخوف أصوات تتطاول على كل محاولات الغناء، مبتلعة همسات الحب والآمال. للخوف أصوات نشاز مرعبة، تتهدد وتتوعد المهرجان بالويل والثبور وعظائم الأمور. تطالب بكتم الغناء، وتجد من يدعمها رسمياً بكتب صادرة عن مؤسسات تابعة للدولة. اها؟ حسنا؟ وتعطشنا لأخذ قسط من الحياة اين ذهب؟ ماذا نقول لأرواحنا التي تبحث من سنين عن فسحة حب في بلادنا المنهكة، وماذا نخبر قلوبنا التي لم تستمتع لتصفيق حشود سعيدة منذ وقت طويل؟ كنا كل ما نريده، انا وأصدقائي، هو قضاء ساعات قليلة، قليلة جدا، لإعادة زخ الحياة والامل في أرواحنا مجدداً، ان نرقص ونغني مع المطربين كما يفعل أبناء الدول الاخرى، ان نتأثر باغنياتهم وهم يأدّونها بأصواتهم الحية. وان تضيع أصواتنا معه، بين أصوات الجمهور والحاضرين. أن نعيش جواً سعيدا جماعياً، فهل هذا صعب؟

شعرت بالاحباط وأنا أراقب الحزن على وجوه أصدقائي الذين قرر اغلبهم عدم التوجه الى المهرجان بسبب الخوف، الخوف من تنفيذ التهديدات بحق الغناء فهو بنظرهم بدعة وضلالة، لانهم نسوا ان في هذه البلاد، شعباً يريد أن يعيش.

مكافحة الخراب  

افكار عديدة جعلتني بحيرة عما سأفعله لو أن المهرجان الغي حقا، لكن قلوبنا التي تدبغت على الخوف حتى اصبح جزء من عائلة العراق الكبير، جعلت المواطنين، يهرعون لنجدة المهرجان وضيوفه من الفنانين، عن طريق استنكارهم ورفضهم القاطع لإلغاءه، هذا الإصرار على الحياة، جعل صوت الرافضين للمهرجان، -لأسباب لسطحيتها، أخجل من ذكرها- جعل أصواتهم تخف شيئا فشيئا حتى باتت بمثابة ضوضاء ليس الا، فنحن المحبين للحياة، نحترم جميع طقوس من في العراق، فلم لا يحترمون طقوسنا بمحاولات الحياة، ليس الا؟ 

وانا هنا سأتحدث عن نفسي لئلا اقحم في خانة التعميم، احترم جميع الطقوس التي تمارس في العراق من مختلف صنوفه ومجتمعاته الصغيرة قبل الكبيرة، واود ان اسأل هذا الذي يرفض حقي ويصادره، غير قابلا بما اود ان اعيشه، لماذا؟ انا التي لطالما دافعت عن حقوقك بفعل كل ما تود فعله في مناسباتك الاجتماعية والدينية وأفكارك الخاصة، لماذا تقتحم اليوم عالمي وتحاول جر ابسط ما احلم به؟ الا ترى ان في هذا جزء من الانانية؟ 

لقد تعلمت يوما عبارة صغيرة من سائق تاكسي، قال “كم ان العراق يشبه الحديقة الصغيرة، وعليك ان ترعى كل زهرة ونبتة فيها وتحبها كما الاخريات” وهنا لا اعلم حقيقة، لم اهرع دوما بالتبرع للدفاع عنك لكنك تقتص من فكرتي وطريقتي بالحياة؟ 

انا ادافع عنك لايماني بحرية فكرك والطريقة التي تود ان تعيشها، كما واؤمن العراق لم يكن يوما، محصورا بفئة واحدة، ولن يكن، مهما حاولوا، ذلك ان محاولات تهميش عدد ليس بالهين من العراقيين، لن تفلح كل مرة، بل ان انها قد تنقلب عليهم يوما، دون رحمة. وكان اصرار المحبين للحياة، قاسيا مثل صفعة على خد انانيتهم وتملكهم العراق وكأنه ورث اباءهم وحدهم. 

ثورة العناد 

اصبح الامر بمثابة عناد، نفدت البطاقات بوقت قياسي ومن كان مقررا عدم الذهاب، حجز تذكرته وتوجه لحجز مقعد مبكر، وانقلب السحر على الساحر، وتهديداتهم لم يُسمع لها صوت، حتى اني وحينما وددت حجز تذكرة، لم أتمكن من إيجادها في جميع المنافذ المخصصة لبيعها، بهذه السرعة، رد محبو الحياة والعراق. 

بعد جهود ومحاولات، انقذني احد الاصدقاء بتوفير بطاقات لي ولعائلتي، لنتجه من بغداد ونصل الى بابل التي تبعد حوالي ٨٨ كلم عنّا، وكان المشهد ساحرا وخياليا، لم أره طوال حياتي في وطني سوى بضعة مرات معدودات، كانت احداهن، حينما اتجهت وزملائي الى البصرة/ أقصى جنوب العراق، في القطار، فقط من أجل حضور مبارياتنا الاولى مع السعودية بعد انقطاع لأكثر من ٢٥ عاما.

 هكذا نحن، نتشبث بقشات بسيطة وهشة، تربطنا بالحياة ولو مؤقتا، بالحياة التي يعيشها غيرنا، بسهولة بالغة، بل وأنها جزء روتيني من أيامهم، هذه الحفلات والمهرجانات، ومباريات كرة القدم. 

في البصرة، كان الالاف يجتمعون خارج الملعب، والالاف يودون الدخول، والالاف الأخرى تتدافع من أجل المقاعد، يومها كان صعبا الجلوس على مقعد دون ان تصف عدة أشخاص قربك، لكنه الشعور وحده،  يكفي ان تكون مع هذه الحشود الهائلة والقادمة من مختلف محافظات العراق، للتأكيد مرات ومرات، على طلبهم الحياة، حتى ان اصواتهم في مدرجات الملعب، وقراءتهم النشيد الوطني، كان شعورا يشبه الفوز بورقة مهمة لليانصيب، احساسي هذا تكرر في بابل، محافظة أخرى، تجمع ابناء المدن العراقية لحضنها، بمحفل آخر. 

يا الهي، كم يحب العراقيون الحياة؟ 

كنا مستعدين للجلوس على الارض، او في اي مكان، من اجل تنظيف مسامعنا من أصوات الخراب والحزن، وتبديلها، ولو بساعات صغيرة، بصوت الأمل. المدهش ان الفتاة التي تجلس على يميني فيما تعدل عباءاتها وحجابها بطريقة هادئة، قادمة من البصرة مع زوجها، فيما تجتمع مجموعة من اربعة اخوات، للحضور إلى الحفل، ورؤية الفنانة رحمة، من الناصرية، جميعهن يودن العودة الى محافظاتهن بعد انتهاء الحفل، فلا تهديد استطاع ثني الناس من طوي الأرصفة الطويلة والمجي، ولا محاولات تدمير المدنية في العراق والمستمرة منذ سنوات، تمكنت من التأثير على فكر الجيل، انه جيل الثورة، التي كانت حاضرة في المهرجان بصوت ابنائها. وصوت المدنية الموجود منذ عهد بابل، هذا الصدى الذي مهما خفت او تبدد صوته، سيعود بمساعده أبنائه الباحثين بشوق عن الحياة. 

إقرأوا أيضاً:

Leave a Reply

Your email address will not be published.