الحياة بنظارتين… واحدة للحب الأول والثانية للعتمة

حدِّثني عن أعاصير الذكريات… كيف تتشكّل ومتى تضرب جدران القلب؟

حدِّثني عن ابتداء الزمان، عن أيام شموسها لا تغيب، عن ليالٍ تبحث فيها عن العتمة، هكذا، لأنك ممتلئ بأنوار داخلية أقوى من احتمال جسدك الضعيف. 

حدِّثني أين اختفت طفلة كانت عيناها معلّقتان في أعلى السماء وجسدها كان خفيفاً كغيمة وردية وقلبها لم يكن يعرف الملل؟

نهرم وتصرخ أوجاع صغيرة من مفاصل جسدنا وننظر إلى المرآة باحثين عن شبابنا لنعترف أن السنين تراكمت عشوائياً وينبغي إعادة ترتيبها وترتيب أولوياتنا.

 نهدئ نوبات هلعنا من هذه الأيام الصعبة باسترجاع أمان أيام طفولتنا، قبلات أمهاتنا، مدرستنا، حبنا الأول الذي صار ذكرى بعيدة لا فعالية فيها فلماذا يصنّفها الجسد كأولوية حيوية؟

 إنها أيام صعبة. نخاف فيها حتى من الهواء الذي نتنفسه. 

ما هي نوعية الحياة التي سنحياها في الأيام المقبلة؟

في بلاد كهذه لا وقت للتفكير الطويل ولا وقت للتخطيط ولا للنظر إلى الوراء ولا وقت لاتّخاذ المواقف. هناك مهمات يجب القيام بها تلتهم ساعات اليوم وتتركنا في المساء لآلامنا وهزائمنا .

 الأبناء تفرّقوا في كل بقاع الأرض الممكنة وصاروا ذكرى لطيفة من الماضي وصوراً متحركة على الشاشة وضحكات الأحفاد وأول خطواتهم وأول يوم في المدرسة ورحلات يوم الأحد كلها تشبه فيلماً سينمائياً نتابعه ونحلم بلقاء أبطاله ولو مصادفة في أي مكان من العالم يقبل بجواز سفرنا السوري.

 الأموال تنفد بسرعة والحسابات القديمة لم تعد سارية المفعول. المصارف اللبنانية التي ابتلعت المدّخرات، متحصنّة وراء الحدود المغلقة في وجهنا. أملاكنا لا قيمة فعلية لها في سوقٍ صار “الكاش” فيه نادراً وغير مخصص سوى لسد اللقمة.

لقد اقتنيت علبة للدواء مقسمة على أيام الأسبوع وساعات النهار. وكلما مددت كفي لفتحها شعرت بأنها كف أمي.  

قالت لي، ليتني متّ قبل أن أشاهد ما حدث في هذا البلد. لم أعرف كيف أجيبها. كان جسدها يتآكل من الداخل، وكان شكلها يوحي بموت قريب. قريب جداً .

 قلت لها إن البلد يعيش منذ آلاف السنين وسيبقى طويلاً بعدنا، لا تقلقي عليه. لكنني كل يوم أشعر بكلماتها تتراقص أمام عيني وتبتسم بسخرية.

لقد أخطأ آباؤنا ومعلمونا كثيراً ، حين بثّوا فينا هذا الفخر العظيم بأنفسنا بدون مبرّر واقعي له. وأدركنا أننا نعيش في أتعس بقعة من الكرة الأرضية. البقعة “المتنازع عليها” شئنا أم أبينا. فكلما أوغلنا في التاريخ نكتشف أن وطننا كان مركز جذب للقوى العظمى وحلبة تصارع للاستحواذ عليه. فمتى كان وطناً آمناً؟ 

 وبقي أن ندرك أن الوقت لن يخدمنا طويلاً .

أتطلع إلى وجهك وأفكّر كم تغيّر شكل الدنيا مذ وقعت عيناي عليك أول مرة وأنت شاب تحيك مؤامراتك لتقتحم الحياة، وحتى صارت التجاعيد تبتسم على رقبتك… وطرفي عينيك… وجبينك.

وعلى رغم بصرنا الذي صار يحتاج إلى نظارتين واحدة للقريب وواحدة للبعيد وسمعنا الذي يستجيب لبعض الأصوات ويصمّ عن معظمها وهيكلنا العظمي الذي صار ينوء بثقل جسدنا ويصرخ معترضاً عند  أي مجهود، ما زلنا أحياناً نصحو في الصباح ونشعر بأن الشمس أشرقت خصيصاً من أجلنا وأن نسمات الهواء تحمل رائحة الياسمين بغير موسمه. ونستعيد أحاسيس حبنا الأول مرة أخرى، ونحلم بأن هذا الطقس الجميل، جاء من أجلنا… 

إقرأوا أيضاً:

[embedded content]

Leave a Reply

Your email address will not be published.