منع فيلم “أميرة”: إخضاع السينما لفحص الحمض النووي!

أراد المخرج المصري محمد دياب من فيلمه “أميرة” الذي أوقف عرضه بعد حملة اعتبرته مسيئاً لقضية الأسرى، أن يبحث في مسألة تهريب السجناء الفلسطينيين النطف من السجون الإسرائيلية، بعيداً من السردية النضالية، ويأخذها إلى ما هو أبعد، وأكثر إشكالية.

دياب، قال ضمن بيان حول وقف عرض الفيلم، إن ما أراده هو “رصد جوهر معتقد الإنسان وهل سيقوم بالخيارات نفسها لو ولد شخصاً آخر”، ما يعني أن هذه الجزئية هي ثيمة الفيلم، الذي يروي قصة شابة تدعى أميرة تكتشف أنها لم تولد بنطفة مهرّبة من والدها الأسير، بل تم استبدال النطفة بأخرى لضابط إسرائيلي. قضية الأسرى، وإن كانت مركزية، لناحية القصة وتداعياتها، لكن السؤال الإشكالي للفيلم يتعلق بالاختيارات ومدى علاقتها بشرط الولادة، هذا هو هدف الفيلم: طرح سؤال، ضمن قضية عليها إجماع، والاختلاف عليه.

غير أن، الاجماع السياسي – النضالي، حول قضية الأسرى، كان محرك الحملة ضد فيلم “أميرة”، حيث اُتهم صناع العمل بـ”الإساءة لقضية الأسرى وخدمة الاحتلال”، ما دفع دياب، حيال هذا الاغتيال المعنوي، إلى التسليم بمنع فيلمه، وإعلان ذلك بنفسه.

ودياب، سبق له، أن صنع فيلم “اشتباك”، طارحاً سؤال ما بعد 30 حزيران/يونيو 2013 في بلده مصر، وتنوّع وجهات النظر حيال ما حدث، بين مؤيدي الإخوان والمعارضين لهم. أي أن هذا النوع من الأسئلة  الإشكالية ليس بعيداً عن عالم هذا المخرج، الذي يحترف فناً هدفه تحريك الراكد بصرياً، وليس التسليم، بما أُجمع عليه سياسياً.  

إذاً، الفيلم كان ضحية عدم التمييز بين السينما وإشكالية طروحاتها، وبين الخطاب السياسي وهدفه الدعوي والنضالي. جرى النظر إلى الفيلم انطلاقاً من موضعة مسألة الأسرى ضمن أدبيات القضية الفلسطينية، أي بوصفها مقدسة ولا يجوز تناولها أو المساس بها، حتى ولو من خلال سؤال. المفارقة أن الإساءة للأسرى التي أُخذ على الفيلم ارتكابها، قد يكون المسؤول عنها، منتقدي الفيلم أنفسهم. هؤلاء يعتمدون على المخزون النضالي للقضية الفلسطينية لأسطرة الأسرى وجعلهم أبطالاً لا يضعفون ولا يتعبون. ربما، الإساءة الحقيقة تكمن هنا، حين تعلّب تجربة إنسانية في قوالب نضالية وسياسية، ولا تسمح للمشاركين فيها أن يتألموا.

سبق أن تعرض فيلم الفلسطينية نجوى النجار “المر الرمان” ( يعرض حاليا على نيتفليكس) لانتقادات أقل، بسبب رصد تحولات زوجة أسير، تقيم علاقة عابرة مع مدرب رقص أثناء تواجد زوجها في المعتقل الإسرائيلي. وإن كانت المسألة، تتعلق بالأسرى وعائلاتهم، وحرمانهم من خوض تجارب إنسانية وعاطفية، لا يمكن أن تكون محكومة بما أُجمع عليه سياسياً، فإن هناك ما هو أبعد، وهو منع السينما من طرح القضايا في سياق إشكالي بعيداً من مسلّمات السياسة. صحيح أن فيلم “أميرة” هو نتاج صناعة وإنتاج مشترك، لكنه امتداد لمسار في السينما الفلسطينية يطرح أسئلة حول أمور جرى الإجماع عليه، إذ إن المخرج هاني أبو أسعد سبق له في فيلم “الجنة الآن” أن وضع “العمليات الفدائية” تحت علامة استفهام كبيرة. أما إيليا سليمان، فأبدع في سلسلة أفلام، بطرح مفارقات عن حياة الفلسطينيين، ومواجهتهم للاحتلال، في يوميات عادية، وتفاصيل بسيطة، عبر مشاهد مركبة شديد الذكاء والتكثيف. هذان المثالان، هما جزء من مسار سينمائي، سد الفجوات الإنسانية والعاطفية التي خلفتها السياسة، خصوصا في الموضوع الفلسطيني.

 ومع كل فيلم من هذه الأفلام كانت تثار ضجة وتطرح تساؤلات وتوجه اتهامات، لكن هذه المرة، أي مع فيلم “أميرة”، انطلقت الحملة لمنع الفيلم ووقف عرضه من قبل قادة وفصائل وهيئات سياسية وناشطين، ما يعني خنق المسار الإشكالي في السينما العربية والفلسطينية.

منتقدو الفيلم تمسكوا بالنَسَب بوصفه عاملاً حاسما للانتماء للقضية والنضال من أجلها، ولم يلتفتوا إلى مسار الصبية التي اختارت الإيمان بأفكارها والتعلق بقضيتها، حيث أن “البطلة أميرة تختار أن تكون فلسطينية وتختار أن تنحاز للقضية العادلة” كما قال مخرج الفيلم في بيان إعلان وقف عرضه، بمعزل عن نتائج الحمض النووي التي تحدد نسبها البيولوجي.  مؤكداً أن الفيلم “يشجب ويدين ممارسات الاحتلال المشار إليها بشكل صريح في الجريمة التي يتناولها الفيلم”.

وهنا تحديداً، يقع الفارق بين السينما، وبين الخطاب السياسي، إذ إن الأولى تناضل وسط إشكاليات وأفكار وتمزقات عاطفية وأسئلة ذهنية، فيما الثاني قد يتجاهل تماماً هذه الجوانب.  

إقرأوا أيضاً:

[embedded content]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *